الصُّلْحُ

 الصُّلْحُ، وفيه مسائل(1)

     المؤلف: عبد الرحمن بن حماد العمر 

تاريخ الإضافة: 28/3/2021 ميلادي – 15/8/1442 هجري ♦

زيارة: 988 ♦

شارك و أنشر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الصُّلْحُ، وفيه مسائل(1)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:

قال الشيخ عبدالرحمن بن حمَّاد العمر-رحمه الله- :

الصُّلْحُ، وفيه مسائل:

الأولى: تعريفه: له معنيان عام وخاص، فأما العام: فهو التوسط بين شخصين متنازعين أو بين جماعتين بينهما نزاع أو عداوة، فيتدخل رجل

صالح أو جماعة بنية صالحة أو امرأة صالحة بين أناس من قرابتها، أو بين رجل وزوجته بينهما نزاع فيسعى الـمُصْلِحُ لحل ذلك النزاع

بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، أو بالمال لمن رزقه الله مالًا أو بجمعه من المحسنين ولا مجال للإصلاح إلا به، وهو

من أفضل الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى ربه، وهو محمود، ومنزلة من عُرِفَ به عالية بين الناس حيًّا وميتًا، في الجاهلية والإسلام،

قال الله تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ

نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا }[النساء:114]، وقال تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}[النساء:128].

الثانية: وحكمه سنة مؤكدة ينبغي للمسلم أن يسعى لتحصيله من أي وجه من وجوهه المشروعة، وهو من سمات الـمُبَارَك من الرجال

والنساء، وقد ورد الوعد (بطوبى)-وهي الجنة أو شجرة في الجنة-لمن كان مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، ويجوز الصُّلْحُ مع الكفار من اليهود

والنصارى وغيرهم من المشركين، والدليل قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ

إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين }[التوبة:4]، وقال تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن

دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين (9) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى

إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون }[الممتحنة:8-9].

ومن السنة ما ثبت عنه  أنه لما قدم المدينة مهاجرًا ومنصورًا بالمؤمنين، وقد صارت له وللمؤمنين شَوْكَةٌ ودولة وجد اليهود (بني قينقاع

وبني النضير) قد تحالفوا مع (الخزْرَجِ)، و(بني قريظة) مع (الأوْس)، فأقرَّ  هذا الحلف بين اليهود والأنصار، وصَالَحَ النبي  المشركين

في الحديبية، رواه البخاري في باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب(2).

الثالثة: وأما تعريفه في اصطلاح الفقهاء فهو: عقد يحصل به قطع النـزاع بين المتخاصمين، وهو عام يتعلق بجميع أنواع الحقوق المالية

وغيرها؛ كالحقوق الزوجية، والجراحات، والأعراض، وغير ذلك.

الرابعة: وحكم الصلح جائز، وأحيانًا يكون واجبًا يأثم من تركه وهو قادر عليه، إلَّا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا؛ فإنه مُحَرَّمٌ وباطل،

والدليل قوله : «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الـمـُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا»(3)

ومن أمثلة الصلح الـمُحَرَّمِ: إذا تبيَّن للقاضي أن الحق مع أحد الخَصْمَيْن؛ فإنه لا يحل له أن يصلح بشيء من حق صاحبه، إلَّا إذا بيَّن له ذلك،

وأنه إن سمح بشيء من حقه بطيب نفس منه، وإلَّا حكم له بحقه كاملًا.

الخامسة: والصحيح أنه يصح أن يصالح ببعض حقه المؤجَّل حالًا؛ والدليل وضعه عن بني النضير في قصة إجلائهم من المدينة

حيث قال: «ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا»(4)، ومعنى ضَعُوا: أي اسقطوا، وَتَعَجَّلُوا: أي المؤجَّل.

السادسة: أما العكس وهو المصالحة عن الحال بزائد مقابل التأجيل فهذا حرام؛ لأنه ربا وهو ربا الجاهلية.

السابعة: ولا يصح الصلح من مُقِرٍّ بحق على أن يضع عنه صاحبُ الحق شيئًا منه، إلا أن يتطوع صاحبُ الحق بعد إقرار خصمه بحقه

بدون وعد منه بإسقاط شيء من حقه مقابل الإقرار.

الثامنة: بل لو وعد صاحبُ الحق مَنْ أنكر حقه بإسقاط بعضه أو بشيء آخر لكي يقرّ فأقرّ، لزم الـمُقِرّ ما أقر به، ويحرم عليه أخذ ما وعده

به صاحب الحق، بل لا يجوز الحكم به له لو طالب به، ومعنى هذا: أن الصلح إذا لم يتم إلا بإقرار يترتب عليه منع بعض الحق فإنه لا يصح

ويلزم الـمُقِرّ ما أقر به.

التاسعة: لا يصح الصلح إلَّا من مُكَلَّف مُختَار. 

العاشرة: فلو ادَّعى ظالم على شخص مبلغًا أو وديعة وهو كاذب وقال: إما تعطيني كذا أو اشتكيك وأشنع بك عند الناس أنك أكلت حقي

أو خنت الأمانة، فأعطاه مطلوبه؛ سَتْرًا لعِرْضِه وحفاظًا على سمعته وشرفه، فهذا الصلح باطل، وأخذ الظالم لذلك المبلغ حرام؛ لأنه بمنزلة

المغتصِب والسارِق، حتى لو أقرَّ المظلوم بأن هذا المبلغ حق للظالم أمام الناس…،ومثله: من يفدي نفسه أو عِرْضَه أو ماله من ظالم برشوة،

فإنه لا إثم عليه، وسيأخذ هذه المظلمة من الظالم يوم القيامة، مع ما سيناله من عقاب الله تعالى في الدنيا.

الحادية عشرة: الراجح عندي أن الصلح جائز على إسقاط حق الشُّفْعَةِ مقابل عِوَض، وجواز إسقاط حق المطالبة بحد القذف مقابل عِوَض قبل

أن يبلغ السلطان؛ لأن الشافع لم يشفع إلا لرجاء مغنم أو دفع ضرر، وكذا إذا تنازل مقابل عِوَض طابت به نفس صاحبه فله الحق في أخذ

العِوَض مقابل ترك المطالبة بحد القذف أيضًا؛ وذلك لأن العِرْض أغلى من المال فإذا افتدى القاذف نفسه من المقذوف بماله فذلك حلال

للمقذوف، ومن وجه آخر فإن المقذوف يحرص على أن يكذب القاذف نفسه أمام من سمعوا منه القذف ويقول: إنه قول ألقاه الشيطان

على لساني وقد طلبت من فلان أن يسامحني ففعل ويشكره على ذلك؛ وذلك لأن ترك المطالبة أبقى لستر عِرْضه وشرفه؛ لأنه يترتب

على المطالبة بحق القذف أن المقذوف هو أو من هو وَلِيُّه؛ كالزوجة، أو الأم، أو البنت تتعلق به التهمة ولو بَرّأه القاضي وأقام الحد

على القاذف؛ لأنها براءة لم ينزل بها الوحي كبراءة مريم وعائشة -رضي الله عنها-، وكذلك المـُلاعِنَة التي فارقت زوجها باللِّعَانِ فإن

التهمة تعلق بها،  وخصوصًا بين الفُسَّاق من الرجال والنساء الذين لا يتورعون عن الخوض في أعراض الناس.

ولا يصح الصلح على إسقاط حَدّ السرقة إذا بلغ السلطان أو القاضي، مثل ما أن الشفاعة لا تصح فيه وغيره من الحدود إذا بلغت السلطان. 

الثانية عشرة: ويجوز الصلح عن المال المسروق لا عن الـحَدِّ إذا بلغ السلطان.

الثالثة عشرة: يجوز لمن أمسك سارقًا أن يفلته من باب الستر عليه مع موعظته، ولا يجوز أن يأخذ منه شيئًا مقابل إفلاته؛ لقوله

لصفوان بن أمية -رضي الله عنه- لما أتاه بسارق سرق منه من حِرْزٍ وقال: إِنِّي عَفَوْتُ عَنْه: «فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ»(5).

الرابعة عشرة: ويحرم الصلح على كتم الشهادة، ولو أخذ الشاهد عِوَضًا على كتم شهادة كان مرتكبا لكبيرتين من كبائر الذنوب: 

الأولى: كتم الشهادة.

 الثانية: أخذه العِوَض على كتمها، قال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ

الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم }[البقرة:283].

 

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِه وصَحْبِه وسَلَّمَ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من كتاب (الإسلام في بيان ما عليه النبي ﷺ  وصحبه الكرام) تأليف فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن حمَّاد العمر ، الجزء الرابع صـــــــ (163:159).
 (جمع وترتيب مؤسسة عبدالرحمن بن حمَّاد العمر الوقفية ).
(2) أخرجه البخاري (2731).
(3) أخرجه أبو داود (3594)، والترمذي (1352)، وابن ماجه (2353)، وحسنه الألباني في الإرواء (1420).
(4) أخرجه الحاكم (2325)، والدارقطني (2980)، والبيهقي (11136)، وقال الحاكم: “هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه”.
(5) أخرجه أحمد (15303)، وأبو داود (4394)، والنسائي (4879)، وابن ماجه (2595)، وصححه الألباني في الإرواء (2317).