-وفاة الشيخ عبدالرحمن بن حمَّاد العمر – رحمه الله

     المؤلف: محمد بن عبد الرحمن بن حماد العمر 

تاريخ الإضافة: 2021/6/15 ميلادي – 1442/11/4 هجري ♦

زيارة: 988 ♦

شارك و أنشر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم

وفاة الشيخ عبدالرحمن بن حمَّاد العمر -رحمه الله – (1)

في الأيام الأخيرة قبل وفاته في 1437/3/2هـ زادت أعراض المرض عليه وصارت أكثر أثرًا فيه؛ وكان من أبرز مظاهر ذلك: شدة الوهن،

وضعف الحركة؛ حيث كان يحتاج إلى مَنْ يحرِّكه في فراشه، وبالكاد يحمل الأشياء؛ كفنجان الشاي، لكنه في هذه الأثناء سيِّما في الأيام

الثلاثة الأخيرة قبل وفاته ومع هذا الوهن والضعف في الحركة، إلا أن نشاطًا ظهر عليه في الصلاة؛ فصار يكثر من النوافل في كل وقت،

حتى أن أبناءه وبناته وأحفاده يدخلون عليه وهو يصلي ويجلسون على تلك الحال حتى يدخل وقت الصلاة التالي وهو من تسليمة إلى تسليمة

إلى أن ينصرفوا من عنده وهو على حاله تلك، ويرجعون إليه وقد مكث في الصلاة ساعة أو ساعة ونصف، يؤديها ركعتين ركعتين في نشاط

عجيب، يظهر عليه حال شروعه فيها.

في ليلة وفاته -رحمه الله- كان برنامجه كالمعتاد؛ تروي ذلك عنه زوجه أم محمد، كان قد اغتسل، وغيَّر ملابسه، ونام على راحة،

وقام في موعد صلاة الفجر، وبقي بعدها فترة يذكر الله ويورد، وجاءت له زوجته بحفنة من الزبيب؛ ليتقوى بها وينشط، فأبدى عدم رغبته،

قائلًا لها: (تناوليه أنتِ؛ ففيه نفع وفائدة لكِ)، ثم آوَى إلى فراشه ونام قليلًا؛ ليستيقظ مسبِّحًا لله تعالى وذاكرًا له، ونهض مُتَّكِئًا على عصاه

متوجهًا إلى المجلس الذي اعتاد أن يُؤتى له فيه بالقهوة والإفطار، سبق زوجته أم محمد إلى هذه الغرفة، فلحقت به لتجده قد مال على أحد

جنبيه على المركى (الـمَسْنَد) الذي بجانبه، مغمض العينين، وهي لا تدري هل هو في حال إغماء أو في حال وفاة، وسبحان الله اللطيف به

فقد حملته قدماه إلى أن جلس في تلك الغرفة ولم يسقط في الممرِّ المؤدِّي إليها !!، جلس على الكنب ثم مال على جنبه مسلمًا الروح إلى

باريها، جاءت زوجه وأفزعها المنظر، واستدعت القريب من أبنائه وهو عبدالسلام؛ لأنه يعمل في مدرسة قريبة من المنزل فأتى واتصل

ببقية إخوته واستدعوا الإسعاف، وكان من الحاضرين ابنه استشاري الطب الدكتور أحمد، عاينه هو وطاقم الإسعاف -سلَّمهم الله-

فظهرت لهم وفاته -رحمه الله-، والحمد لله على ما قضى وقدَّر، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

تمَّ نقله قريبًا من الساعة العاشرة والنصف إلى المستشفى؛ لإنهاء الإجراءات الرسمية في تثبيت الوفاة واستخراج الأوراق الخاصة بتجهيزه

ودفنه،  حيث عُوين في المستشفى ولم يدخل -بحمد الله تعالى- الثلَّاجة؛ وتم التوجه به -رحمه الله- إلى مغسلة الأموات بجامع الراجحي،

وكان قد أوصى أن يُشارك في غسله أحد الأخيار الذين يحبهم ويحبونه، سيِّما وأنه من المساهمين في مغاسل الأموات في بعض مساجد

الرياض؛ وهو المـُكرَّم محمد بن عبدالرحمن السلامة، فحضر-جزاه الله خيرًا-وشارك في غسله، ثم تمَّ تقديمه بين يدي المصلين بعد أداء

صلاة العصرللصلاة عليه، وقد تحققت -بحمد الله- سنة التعجيل في دفنه، حيث أُنجز ذلك-بتوفيق الكريم تعالى-خلال خمس ساعات تقريبًا

من ساعة وفاته في اليوم الذي تُوُفِّيَ فيه.

توافد كثير من قرابته ومحبيه ورفقاء دربه وغيرهم إلى حيث يُغسل، وقد تأثَّروا كثيرًا لـمَّا علموا بوفاته؛ كان منهم ابن عمه الشيخ

عبدالله بن عثمان العمر-حفظه الله-، وهو مُسِنٌّ في حال صحية لا تسمح بسهولة الحركة، أصرَّ على الحضور إلى المغسلة على كرسيه

المتحرك، ومعه دهن عود انتقاه بعناية وطلب أن نرفعه بكرسيه المتحرك إلى السرير الذي عليه الشيخ -؛ ليُقبِّله ويودِّعه، وسلَّم لنا قارورة

هذا الطِّيب؛ لنطيِّبه منها.

وكان ممن حضر فضيلة الشيخ العلَّامة عبدالرحمن بن ناصر البرَّاك -حفظه الله- تأثَّر كثيرًا، وهو رجل كفيف ومتقدِّم في السنِّ، حضر

للصلاة عليه في المسجد، ولـمَّا وُضِعَ في السيارة التي تنقله إلى المقبرة أصرَّ أن يركب معه جالسًا بجانب النَّعْش مع مَنْ جلس معه من أبنائه

وبعض قرابته ومحبيه، جلس جانب نعشه متأثرًا جدًّا ويدعو له بصوتٍ مُتَهَدِّجٍ حزينٍ.

ومما يُذكر أنه -رحمه الله- قبل وفاته بعدة سنوات دوَّن قائمةً بأسماء من يُخبَرون بوفاته للصلاة عليه وتشييعه لمن تيسَّر له منهم، وهم أناسٌ

يجلهم ويلتمس فيهم المحبة له والصلاح، ويرغب في أن يكونوا ممن يدعون له ويصلّون عليه، يضع في تلك القائمة أكثر من خمسين اسمًا

تقريبًا؛ مدوِّنًا أرقام هواتفهم، ويباشر تحديثها بين حين وآخر في حال وفاة بعضهم -رحمهم الله-  أو إضافة أسماء جديدة، وكان آخر تحديث

لتلك القائمة قبل وفاته ببضعة أشهر. أُعلنت وفاته في وسائل التواصل الاجتماعي؛ فانتشر خبره في كل مكان وجاء الناس للصلاة عليه

من أقاربه، وأحبابه، وتلاميذه، وزملائه، وجيرانه، ومحبيه من الرياض وخارجها، وشيَّعوه في جنازة مهيبة حضرها الكثير؛ منهم كبار

العلماء، وأصحاب المعالي، والوجهاء، وفئام كُثر من الأخيار الذين لم نعرف إلا القليل منهم، جزاهم الله خيرًا.

تأثَّر الناس كثيرًا بوفاته، وتأثَّر محبوه وظهرت عليهم حال الصدمة، والحزن، والبكاء، وكثر الدعاء له -رحمه الله- .

وكان قد أوصى -رحمه الله- ألا يُقام له عزاء، ولا يُقدَّم الطعام كما هو المعتاد؛ وفعلا تمَّ ذلك إلا أن كثرة القادمين للسلام والتعزية كان

بخلاف المتوقع مما اضطر أبناءه وبناته وأزواجه إلى أن يجلسوا للمعزِّين؛ إكرامًا لهم لمدة ثلاثة أيام، في ما بين صلاتي العصر والعشاء،

فحضرت جموع كثيرة من الناس من ضمنهم كبار العلماء؛ وعلى رأسهم سماحة المفتي -حفظه الله-، وثلة من هيئة كبار العلماء،

وطلبة العلم، والجيران، ومحبيه، ومعارفه ممن صاحبوه ولازموه من داخل الرياض وخارجها.

كذلك حضر العديد جدًّا من أناس لا نعرفهم سيَّما أولئك الذين كان يحسن إليهم ويقدِّم لهم معروفًا؛ إمَّا بتعاهد احتياجاتهم من المصروف

والنفقة، أو بشفاعته والتقدم بجاهه ومسعاه في تحقيق متطلباتهم في بعض الدوائر أو الجهات التي يحتاجون فيها إلى مَنْ يساندهم فيها،

حضر كثير وكان مجلس استقبال الناس لا ينقطع من الدعاء له، وذكر مآثره وأعماله، التي لما نعلم عن بعضها إلا في مجلس استقبال

المعزِّين فيه من بعض من جاء للتعزية، في أعمال وقصص لم يكن – يرويها لنا؛ سيَّما ما فيه من ذلك قربى لله وإحسان للناس.

من المواقف التي صاحبت وفاته -رحمه الله-  أنه في الأيام التي سبقت وفاته حين انقطع إلى الصلاة، كانت تغشاه طمأنينة وسكينة ويبدو

على محيَّاه راحة غير معهودة فيما سبق مع حاله المرضية التي يظهر دائمًا أثرها من معاناة وتعب، كانت هناك سكينة وطمأنينة، وكان يلازم

الصمت، يتخلَّل ذلك ذِكْر إن لم يكن في صلاة، أو في صلاة مستمرة من صلاة النفل لا تنقطع أبدًا؛ لدرجة أن بعض أبنائه يدخل عليه ويقبِّل

رأسه وهو يصلِّي وينصرف هذا الابن لأداء الصلاة التي حلَّ وقتها وهو – على حاله من أدائه للصلاة.

وقد ظهر جليًّا أنه انقطع عن الدنيا والحديث فيها تمامًا، فإذا أُثيرت أمامه بعض الأمور من أبنائه وبناته يجيب عليها اقتضابًا؛ مسايرةً لما

يُطرح له، لكنه في حالة استغراق، وتأمل، وهدوء، وسكينة، بقي على هذه الحال إلى أن بات تلك الليلة التي تُوُفِّيَ صبيحتها؛ تُوُفِّيَ وودَّعه

الناس.

كان هناك دعاء ضِمْن ذكره يردِّده طيلة حياته عهدناه منه منذ سنين عديدة؛ وهو قوله: ” اللهمَّ إني أسألك حسن الخاتمة وهون الميتة “،

لا زال يردِّد هذا الدعاء دائمًا دائمًا، ولم ينقطع عنه في الأيام التي سبقت وفاته، ولعلَّ الله استجاب طلبته وإلحاحه؛ فحظي بموتة هَيِّنة

وخاتمة حسنة، تقبَّله الله.

وبعد وفاته كثرت الرؤى فيه من أناس يعرفونه وآخرين لا يعرفونه رأوه في المنام باسمه؛ منهم: معلمة قرآن في إحدى الدور من الأخوات

الكريمات من الجالية السودانية، رأت أنه بصحبة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمهما الله- ممسكين بأيدي بعض وقد دخلوا إلى صالة كبيرة

مليئة بأناس ومرّوا فيها بين الجالسين مجتازين تلك الصالة وخرجوا من الباب الآخر في آخرها وقد كُتب على هذا الباب:

(ادخلوها بسلام آمنين)، وذكرت هذه الأخت أنه في المنام قِيل لها: إن هذا الرجل هو عبدالرحمن بن حمَّاد العمر، فذهبت تسأل إحدى

بناته ممن تعرفهنَّ؛ وقالت: ” إني رأيت هذه الرؤيا في رجل هذا اسمه كما جاء أو كما سمعت في المنام؛ هل له علاقة بكم؟ قالت: نعم؛

هذا والدي، رحمه الله وسائر أموات المسلمين “.

بعد مضي أربع سنوات وأكثر على وفاته ما زال الناس يتكلمون عنه كأنهم في أسبوع ميتته، يتذكرون مواقفه، ويدعون له، ويتوجَّدون على

فراقه؛ رحمه الله تعالى.

لم يُخلف من متاع الدنيا إلا مبلغًا من المال وُجد في حسابه لدى مصرف الراجحي، وقدره اثنان وعشرون ألفًا، وسيارته الخاصة، التي تمَّ

بيعها ووُزِّعَ ذلك على ورثته، كما ترك خمسة منازل؛ أوقف لله ثلاثة منها في حال صحته وحاجته لها، حيث شرع في إيقافها قبل وفاته

بأكثر من ثلاثين سنة، وحدد مصارف ريعها في عدد من المصارف؛ جاعلاً في مقدمة ذلك نشر تراثه العلمي سيِّما تراجم كتابه (دين الحق)

التي جاءت في سبع وعشرين لغة، وترك منزلين للورثة الذين التمس – منهم في وصيته موافقتهم على أن تبقى كل واحدة من زوجتيه

في المنزل الذي هي فيه حال وفاته، والتمس أيضًا من القادر من الورثة أن يشتري نصيب من رغب في نصيبه جامعًا بهذا الالتماس

بين نفع زوجتيه وباقي الورثة، وقد تمَّ له – ذلك برضا جميع الورثة وإقبالهم على هذه البريرة.

ختم حياته -رحمه الله-  وقد لاح في أفقها ما يؤمِّل أنه سدادٌ من الله تعالى وتوفيقٌ، فقد روى لأبنائه رؤيا له في شبابه، رأى فيها

الرسول وهو ينزع  الماء بدلو من بئر فجاء إليه، وهو يقول: ” عنك يا رسول الله، عنك يا رسول الله “.

كتبه ابنه محمد..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتبه ابنه د. محمد، جمع وترتيب مؤسسة الشيخ عبدالرحمن بن حمَّاد العمر الوقفيَّة -رحمه الله- .