بسم الله الرحمن الرحيم

نماذج ومواقف من حياة الوالد الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر-رحمه الله-

  يرويها ابنه الدكتور: أحمد بن عبدالرحمن العمر 

قبل وفاة الوالد -الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر رحمه الله- بعدة أشهر ، قال لي ونحن في الطريق لصلاة الجمعة: أشعر بشوق للقاء الله !

قلت : تشعر بملل من الحياة ؟

قال: لا، ولكني محسن الظن بالله.

في هذه السلسلة إشارات ونماذج من سيرته رحمه الله

قال لنا الشيخ محمد بن حزيم

جئت للرياض في عهد الملك فيصل فابتليت بصدم رجل ووفاته، واصطلحنا على فدية، قال أحد معارفي: اذهب للشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر،

فجئته وعرفته بنفسي وطلبت منه مبلغا كبيرا آنذاك، فأدخلني منزله وقال: أبشر, وخرج من المنزل وجاءني بالمبلغ بعد ساعة !

ثم عرفت أنه استدانه لي .

قال لي فضيلة د.خالد بن عبدالرحمن الشايع :

كنا نحب الجلوس مع فضيلة والدكم الشيخ عبدالرحمن أثناء وجودنا في مكة مع التوعية الإسلامية في الحج لأن الشيخ جمع بين الفقه والبساطة وأنس المجلس.

تقول إحدى زوجات أبنائه : لما رأيت ممتلكاته وكرمه وبذله مع الجميع توقعت أن له ثروة تجارية ولما عرفت أنه ليس له دخل إلا راتبه تعجبت من البركة

التي وهبها الله له.

لديه خمس فلل أوقف منها ثلاثا لله .

يشتري احيانا كامل بضاعة البائع الذي يبيع في سيارته تشجيعا له إذا رأى صدقه، ويجلب ما اشتراه للمنزل ويأمر بتوزيعه

(اشترى ذات مرة سيارة حبحب كاملة) !

ألف كتاب “دين الحق” في التسعينات الهجرية كتعريف مختصر للإسلام، أعجب به الشيخ ابن باز رحمه الله وأمر بترجمته للإنجليزية ثم الفرنسية

ثم توالت الترجمات فيما بعد حتى تجاوزت ثلاثين لغة .

مشهد مألوف : نكون على وجبة الإفطار أو العشاء، فيقوم رحمه الله بتجهيز لقمة من الخبز وأحد الأصناف ويمدها الى فم الذي عن يمينه ممازحا وملاطفا

” افتح طريق .. افتح طريق” فيضعها في فمه ، ثم يكرر ذلك للجميع صغارا وكبارا.

يقول: ” اكتشفت سرًا من أسرار قول : لا اله الا الله؛ وهو أنك تقولها وتحرك بها لسانك دون تحريك الشفتين فيمكن ترديدها دون أن يشعر بك من حولك”.

تابع الحج والعمرة كل عام إلى أن تُوفي رحمه الله، فحج ستين حجة.

إليكم بعض التفاصيل مرتبة

  • العلم والدعوة

  • الشيخ في بيته

  • العبادة وبذل المعروف

  • هم الدعوة إلى التوحيد

  • الشيخ وولاة الأمر

  • المرض والوفاة

العلم والدعوة

بدأت همته الدعوية عام 1382 هـ وعمره 27 عامًا،بعد تخرجه من المعهد العلمي ثم كلية الشريعة،واستفاد منهجه الدعوي من كبار علماء الرياض

وعلى رأسهم مفتي الديار السعودية محمد بن إبراهيم-رحمه الله-حيث كان يجلس إليه ويعرض عليه أفكاره الدعوية والمنكرات الحادثة وسبل تغييرها..

ناقش مع الشيخ ابن ابراهيم منكرات”الترفيه البريء” الذي أقره الملك فيصل رحمه الله (مسارح غنائية، مغنيات ومسلسلات في التلفاز ..)

فأخبره المفتي أنهم أنكروها، فأجابهم الملك بأن هناك من يجيزها، فقال الوالد: لماذا لا تستقيل؟ فأجابه: يضعون غيري، لا يستجيبون في أمور

ويستجيبون في أخرى.

فكانت درسا منهجيا. يقول لنا الوالد: محمد بن إبراهيم رحمه الله كان لديه فهم عميق وقوة في الحق، واذا كتبت له رسالة وعرضتها عليه ينصت ويفكر بعمق .

همته الدعوية صاحبها همة علمية موسوعية فاحتوت مكتبته على أمهات الكتب والرسائل المعاصرة في التفسير والعقيدة والفقه وعلوم السنة والتاريخ والأدب

والفكر الإسلامي، وكان يمضي فيها الساعات يوميا، وكتب في تلك الفترة عشرات الرسائل والنصائح والكتب .

آثر رحمه الله التعليم والدعوة مرتحلًا في كافة الأقاليم السعودية – في إجازة نهاية الأسبوع والإجازات الموسمية –  بدلا من التعليم في الحِلَقِ

واختار مهنة تعليم المواد الشرعية في معهد المعلمين ثم الثانويات الحكومية، ولم يرغب في الظهور الإعلامي فبقيت شهرته محدودة في الأوساط العلمية

والدعوية.

ألف عدة كتب تبعا لحاجة الناس؛ فَأَلَّفَ كتاب “الإرشاد إلى توحيد رب العباد”، وسعى لنشره في الدول التي تنتشر فيها البدع، وأَلَّفَ رسالة

“هذه هي الاشتراكية”حين ظهرت الاشتراكية الناصرية، وكتاب “الإرشاد إلى طريق النجاة” عن المنكرات العامة، وكتاب “دين الحق”؛

كتعريف مختصر للإسلام وأيضا رسالة “دعوة إلى النجاة” بالإنجليزية حين كثر الوافدون الى السعودية، ورسالة “التحذير من الجريمة الجنسية”

حين انتشرت ظاهرة الغزل الهاتفي، وكتاب “هذه هي الديموقراطية” حين ظهر الفكر العلماني .

شارك – رحمه الله – في أنشطة “دار العلم”، وهي ملتقى للدعاة وطلاب العلم في الرياض في التسعينات الهجرية وينبثق عنها مشاريع دعوية وعلمية متعددة .

وصل منهج “أهل الحديث” إلى الرياض وكان الألباني – رحمه الله- رمز ذلك المنهج؛ فمالت إليه نفس الشيخ عبدالرحمن – رحمه الله – بحكم التأسيس السلفي

والتأثر بكتب ابن تيمية وابن القيم، فشاركهم مجالسهم الحديثية والدعوية وانتصر لمنهجهم الفقهي القائم على إعمال الدليل الصحيح ونبذ التعصب المذهبي

ودافع عن أهل الحديث في مجالس العلماء حتى نبتت لدى بعضهم نبتة التكفير والغلوّ فناصحهم وحذرهم ثم اعتزلهم لما رأى منهم بادرة الخروج

على ولي الأمر والتي انتهت بفتنة الحرم عام 1400 هجرية.

ناله رحمه الله من أذى الفتنة ما ناله؛ حيث وشى به بعض متعصبة المذهب – عفا الله عنهم – ، واستغلوا الحدث للانتقام من أهل الحديث

ومن دافع عن منهجهم الفقهي ووشوا بهم بتهمة الخروج، واعتُقِلَ الوالد ثمانية أيام على ذمة التحقيق حتى ظهرت براءته مما نُسِب إليه .

اشتغل بعض القريبين منه ببيع الطوابع البريدية وكانت مربحة ذلك الوقت ونصحوه بالمشاركة فلم يلتفت لها، كما لم يلتفت للمساهمة بماله الخاص

في المساهمات العقارية المربحة جدا ، واكتفى بالمساهمة بأموال بعض أقاربه الذين يرعاهم. كانت همته للعلم والدعوة والدار الآخرة.

أحب التعليم رغبة منه في نشر العلم، ولم يحرص على الترقية الوظيفية (نظام المراتب قبل نظام المستويات التلقائية) مكتفيا بمرتبته وزاهدا في الزيادة

لمّا عرف أن الكثير من تعاملات مؤسسة النقد ربوية، ولما كبر أبناؤه سعوا هم في معاملة الترقية .

استمر في التعليم حتى تقاعد عام 1415 هـ ، ليتفرغ للتأليف والإفتاء الهاتفي ، فراجع مؤلفاته السابقة وأعيدت طباعتها وكتب المزيد

مثل كتاب : حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ثم انهمك في كتابة “كتاب الإسلام” الذي أنهاه قبيل وفاته رحمه الله ويقع في خمسة مجلدات.

كان – رحمه الله – يكرر على مسامعنا قوله تعالى: “ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا”، ويقول : “هذا استفهام إنكاري أي لا أحد أحسن

قولًا ممن دعا إلى الله”.

نكون معه في السيارة ونحن صغار فإذا رأى فردا أو مجموعة من الغربيين أوقف السيارة وأمر أحدنا بأخذ نسخة من (دين الحق ) أو (دعوة للنجاة )

بالإنجليزية (يحملهما معه في السيارة دائما) ويقول : أعطهم الكتاب وقل : (ذس إز بريزينت فور يو ) -أي هذه هدية لك – وكان يعرف جملا إنجليزية

وفرنسية .

كان رحمه الله يترجم الحب في الله والبغض في الله واقعا ، فإذا رأى من سيماه الصلاح هش في وجهه وسلم عليه داعيا : اللهم اغفر لي ولأخي ، ولو لم يكن يعرفه ،

وإذا رأى من سيماه الغفلة وترك السنة؛ تضايق وسأل الله العافية دون أن يسيء له ، وبادره بالنصح إن اجتمع به في مجلس .

يوميات دعوية

كان- رحمه الله – يبدأ يومه الدعوي وسط الأسبوع بإمامة المصلين في مسجده بحي البطحاء بالرياض بصلاة الفجر؛ ليجيب بعدها على أسئلة المستفتين،

ثم يعود إلى البيت ويتهيأ لدوامه المدرسي العامر بتعليم الطلاب العلوم الشرعية وتوجيههم.

يعود بعد صلاة الظهر ومعه أحيانًا بعض طلاب العلم والدعاة – من أهل البلد أو الوافدين – الذين قصدوه في مسجده؛ حيث ذاع صيته وعُرِفَ في الرياض

والقصيم وعدد من مناطق المملكة، فيكرمهم بالغداء ويقضي حاجتهم ويجيب عن أسئلتهم، فإذا خرجوا نام قيلولته قبل العصر إن تيسر له.

يخرج للمسجد ماشيًا فيأمر المارّة بالصلاة، وينصح من رآه يدخن أو سمعه يلعن، فإذا دخل مُجَمَّعَ المحلات المسقوف في البطحاء – يُسمى قيصرية السدرة-

نادى بصوت مرتفع: “الصلاة الصلاة” ويذكر الله ويكرر ذلك حتى يخرج من السوق. بعد صلاة العصر وكذلك المغرب يعود عادة ومعه ضيوف

ممن صلوا معه.

انتقل – رحمه الله – من حي البطحاء إلى حي البديعة عام 1402 هـ فترك إمامة المسجد وبقي خطيبًا في جامع الإمام عبدالرحمن الفيصل – الجمعة فقط –

إلى وفاته – رحمه الله-  .

عُرِفَ رقم هاتفه فكثر المستفتون والمسترشدون فشغل ذلك وقتًا كبيرًا من يومه.

أسبوعيات دعوية

 في نهاية الأسبوع يتم تنسيق رحلة لمدينة أو مجموعة قرى، مع المشايخ :عبدالله بن جبرين ويوسف المطلق و عبدالرحمن الفريان رحمهم الله

والشيخ عبدالرحمن البراك ويوسف الملاحي، حفظهم الله وغيرهم .

يشتمل البرنامج على تفرق المشايخ في مساجد البلد المقصود؛ ليلقوا الكلمات الوعظية والتعليمية، ثم الجلوس بعد الكلمات للإفتاء والمساهمة في حل المشكلات

وإصلاح ذات البين، ويزورون من يدعوهم من أعيان البلد فيستمر التوجيه والتعليم والإفتاء في بيته ، ويجتمع المشايخ عند أمير البلد أو كبير أعيانه ويحصل

من زيارته تذكير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ومناصحة وتشجيع، ثم يتبع الرحلة بعد العودة الى الرياض السعي في حل مشكلة أو بناء مسجد أو مدرسة

يحتاجها ذلك البلد، وكذلك الشفاعة لمن يرغب طلب العلم من أهلها لدى المؤسسات التعليمية الشرعية.

في يوم الجمعة يستخدم الشيخ منبره للدعوة للتوحيد بشكل رئيس؛ حيث كان الجامع في وسط الرياض ويمتلئ بالوافدين ويحضر الصلاة بعض أساتذة كلية

أصول الدين واللغة العربية من الوافدين؛ إذ كان سكنهم قريبًا من الكليات في وسط الرياض آنذاك فيحصل معهم حوارات ومناظرات بعد الصلاة في

مسائل الاعتقاد.

مواسم دعوية

في الإجازات الصيفية يرتحل – رحمه الله – رحلات طويلة؛ ليلتقي بالدعاة وطلبة العلم في مختلف المناطق، ويشاركهم برامجهم العلمية والدعوية في المساجد

والأسواق، وينبثق من تلك الرحلات مشاريع مؤثرة،

ومن أبرزها: تأسيس “المدرسة السلفية” في أبها قبل أكثر من خمسين سنة..

كان المشايخ يأتون الأسواق الأسبوعية (سوق الأثنين،الخميس..) في أبها وخميس مشيط وغيرها فيقفون على الأماكن المرتفعة ويعظون الناس مذكرين

بالتوحيد وأهمية الصلاة ومحذرين من البدع وبعض العادات القبلية المحرمة ثم يتجولون في السوق فتستمر الدعوة ويجيبون على أسئلة الناس..

قال رحمه الله: تكلمنا في أحد الأسواق فكان أحد الشباب من أهل تهامة يستمع باهتمام، وبعد الكلمة قال : أريد أن أصحبكم وأتعلم العلم، فرحبنا به وواعدناه

الأسبوع التالي يأتي إلى نفس السوق ويصحبنا، تحدث مع رفاقه، ثم رجع إلينا وقال : لن أرجع معهم اليوم أخاف “يفتنونني” سأصحبكم من الآن..فأخذناه

وعلمناه الطهارة الصحيحة والصلاة، وكان متحمسا منشرح الصدر، تفاجأنا بحلقه لرأسه وقال : عند أهلي حلق الشعر عيب فحلقت شعري كي لا تحدثني

نفسي بالرجوع .

ثم صار يأتي بالرجل والرجلين من معارفه ليتعلموا العلم وبقوا في ضيافة أحد المشايخ ، وتولدت فكرة إنشاء مدرسة يتبعها سكن (رباط)..

 استأجرنا الموقع وبدأت “المدرسة السلفية” بأبها لتعليم أبناء تهامة العلوم الشرعية مع توفير إقامتهم ومعيشتهم،

كان الشيخ الوالد – رحمه الله – يكتب بعض مناهجها ويجمع لها التبرعات من الرياض ، ويرسلها للشيخ سعيد بن مسفر- حفظه الله – ليقوم عليها مع عدد من

الدعاة والمعلمين..

استمرت عدة سنوات وتخرج منها 250 طالبًا صاروا أئمة ومعلمي خير في مدنهم وقراهم التي جاؤوا منها.

عرض الوالد الفكرة على الشيخ محمد بن إبراهيم طالبا منه مكاتبة الملك فيصل لتعميمها في المملكة، فكتب الشيخ للملك يثني على المدرسة ويطلب منه دعم تعميمها..

اعتذر الملك فيصل بأن المدرسة تقوم على مجهود فردي ويصعب تعميمها بنجاح.

أُغلقت المدرسة عام 1400 هـ؛ حيث صدر قرار بمنع المدارس الدينية غير الرسمية بعد حادث الحرم.

الوعظ

في فترة نشاطه وصحته إذا صلى في مسجد غير مسجده الذي يؤمه؛ قام فوعظ الناس، واستمر على ذلك حين ترك إمامة المسجد حتى كبر ومرض وانتشر

الخير وكثر الدعاة، فصار يلقي الكلمة إذا طُلِبَ منه ذلك أو رأى حاجة لبيان مسألة.

إذا خرج في نزهة مع أهله أو محبيه، ألقى كلمة مختصرة بعد صلاة العصر.

إذا كان في مجلس، وعظ الحضور إذا طلب منه ذلك أو رأى حاجة لبيان أمر مهم ، ويرى أن اللقاءات الاجتماعية يناسبها أحاديث الأُنس والطرائف

فليس من الحكمة إقحام المواعظ وإرغام الحضور على سماعها .

اشتُهر- رحمه الله – بأُنس مجلسه وغزارة القصص والشواهد التي يستذكرها ، لكنه -رحمه الله – يستغل الفرص لإيصال الرسائل الدعوية؛ فإذا ذُكِرَ المال والتجارة قال: “التاجر من أكثر من الصالحات ” ، “الغني من أطاع الله” وهكذا.

يتكلم في مواعظه بالفصحى السهلة التي يفهمها العوام، ولا يُطيل، ويركز الحديث على التقوى وسبل تعزيزها

ويكرر مفاهيم أساسية يحتاجها الناس عامةً والشباب خاصةً، مثل :

“لن يبلغ الإنسان حقيقة التقوى حتى يُقَدِّمَ مراد ربه ومحبوبه على مراد نفسه ومحبوبها”….

“مَنْ عَوَّدَ نفسه وجاهدها على الطاعة في شبابه – ومن ذلك قيام الليل – اعتادت ذلك وأحبته كبيرًا، ومن عَوَّدَها الكسل شابًّا استمر كسولًا إذا كبر”….

“كم من إنسان خرج من بيته ماشيًا وعاد محمولًا على النعش، وكم من إنسان نام معافًا ونعي صباحًا…”….

“من أخطر الأمور على المسلم جلساء السوء من أهل اللهو والغفلة، ولو كان عاقلًا أو طالب علم فإنهم ما يزالون به تدريجيًا حتى يصير مثلهم” .

هذا التكرار رَسَّخَ هذه المفاهيم لدى من حوله

الشيخ في بيته

كان سهلا كثير التبسم، يعاملنا بتلقائية وبساطة حتى في نقده لأخطائنا فلا يتوانى في بيانها دون مجاملة، وكان حليما ينسى إساءتنا ،وإذا غضب رضي بسرعة.

كان يعطينا بسخاء وينفذ طلباتنا بطيب نقس، وإذا رفضها لعدم اقتناعه بها ندرك أنه سيستجيب بالإلحاح فنلح عليه وسرعان ما يستجيب .

كان – رحمه الله – في بيته معلمًا ناصحًا آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، فلم يسمح بالتلفاز ولا مظاهر التبرج والموضة، وأشرك أبناءه في حلقة المسجد

وكان يُعطي المعلم مالًا ليعطيه أبناءه كهدايا تشجيعية، وصار يصطحب من أدرك من أبنائه في مجالس العلم والدعوة وبعض الرحلات الدعوية..

في الثمانينيات الهجرية ظهرت موجة من ضعف التدين وصار الشباب على خطر من الفكر الاشتراكي وهجر المساجد، وأدرك الشيخ – رحمه الله –

خطورة البيئة على أسرته ففكر بجدية في الانتقال من الرياض إلى المدينة المنورة ؛ ليختار البيئة الصالحة التي يرتضيها لأسرته..

جَرَّبَ ذلك بالسفر إلى المدينة في إجازة الصيف؛ ليشرف على مركز صيفي عام 1389هـ، لكنه تراجع عن فكرة الانتقال ولا نعرف سبب التراجع بشكل دقيق.

سجَّل أبناءه في المعهد العلمي لدراسة العلوم الشرعية بعد الابتدائية، إلا أن مغريات البيئة ووجود التلفاز والفيديو في بيوت الأقارب وقوة تأثير الأقران؛ ألقت

ظلالها على أولاده فتأثروا بأقرانهم..

اشتد الأمر عليه حين صار بعض أولاده يتتبعون مجالس الأقارب والأصدقاء لمشاهدة التلفاز وأفلام الفيديو، فاضطر للسماح بالتلفاز في منزله درءًا لمفسدة

أكبر وكلما تكدر من رؤيتهم أمام التلفاز أو من صعوبة إيقاظهم لصلاة الفجر رفع يديه متضرعا يشكو الحال إلى الله ويسأله صلاحهم وهدايتهم..

استمر في نصحهم والإحسان إليهم وتشجيعهم، حتى أذن الله بانتشار الصحوة فوجدت الباب مُشَرعا لتدخل بيته بسهولة ويقوم أولاده بمشاركته هم الإصلاح

والدعوة في البيت والمجتمع؛ حفظهم الله وثبتهم وجمعهم بالشيخ في الفردوس الأعلى … آمين .

تقول إحدى زوجات أبنائه : لما رأيت ممتلكاته وكرمه وسخاءه في البذل مع الجميع توقعت أن له ثروة تجارية ولما عرفت أنه ليس له دخل إلا راتبه تعجبت

من البركة التي وهبها الله له .

تقول إحدى بناته : أثناء الدورة الشهرية تصيبني آلام شديدة وألزم الفراش في اليوم الأول، فيواسيني ويقول : قال الله عن الحيض (هو أذى) والمؤمن يؤجر

على الأذى فاصبري واحتسبي ، فيسليني كلامه وصرت أذكّر النساء بهذا المعنى الذي لم أسمعه من غيره.

حرص على تزويج أبنائه في سن مبكر نسبيا، فكان يشجعهم ويتكفل بتكاليف المهر والوليمة وتجهيز المسكن ، وفي الغالب يستدين تلك التكاليف

وهو منشرح الصدر لكونها نفقة زواج ، ومطمئن البال أن الله سييسر السداد..

فعلا..توفي وليس عليه ديون رحمه الله .

تقول إحدى حفيداته : وأنا صغيرة كان الغداء في أحد الأيام سمك وأنا لا احبه فتركت الغداء وصرت أبكي، دخل الشيخ المنزل وسألني عن بكائي

فقلت له :أريد دجاج، فقال لأهلي أعطوها دجاج، قالوا :لا يوجد، فخرج فورا واشترى دجاج وأعطاه الخادمة لتطبخه بسرعه من أجلي ! كلما كبرت

زاد أثر ذلك الموقف علي.

وتقول حفيدة أخرى : ينام بيننا بأريحية ونحن نلعب ونصرخ فلا يستيقظ ولا يعاتبنا، وما إن يؤذن المؤذن ويصل صوته المنخفض إلى الغرفة إلا

ويستيقظ مباشرة وكأن أحدا أيقظه !

مشهد مألوف : نكون على وجبة الإفطار أو العشاء، فيقوم رحمه الله بتجهيز لقمة من الخبز وأحد الأصناف ويمدها الى فم الذي عن يمينه قائلا :

“افتح طريق افتح طريق” فيضعها في فمه ، ثم يكرر ذلك للجميع صغارا وكبارا.

يعطي الخادمة مبلغا إضافيا ما بين الحين والآخر لترسله لأيتام لأخيها كانت تنفق عليهم.

يحب السفر والنزهة وكان يراوح ما بين السفر للدعوة والسفر بأهل بيته للنزهة، وإذا سافر بأهله عاش جو السفر والنزهة بسعة الصدر وتنفيذ طلبات

الصغار والكبار .

لا يسكت أبدًا عن بنات إخوانه وأخواته إذا سلمن عليه وعليهن ملابس قصيرة الأكمام أو لففن شعورهن خلف رؤوسهن للأعلى – تسمى كعكة – ذلك الوقت

ويرى أنها تدخل في وصف “أسنمة البخت”- فينهاهن ذاكرًا الدليل ويطالبهن بالتشبه بالصحابيات.

إذا كانت المناسبة في بيته أو بيت إخوانه دخل عند النساء وهن متحجبات فوعظهن وحذرهن من منكرات اللباس والزينة وأجاب عن أسئلتهن.

زار قريبة له في بيت ثراء و فخامة، فوعظها مبينا لها أن التشبه بالملوك وأهل الدنيا في المظاهر ليس من سيرة الصالحين ونصحها بتخفيف تلك المظاهر.

إذا سلّم عليه شباب أقاربه نصحهم بإعفاء لحاهم وتتبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وعندما ظهرت الصحوة الإسلامية المباركة فرح بثمارها كثيرًا؛

فكان يبتهج بكل شاب من الأسرة يظهر عليه الالتزام ويشجعه ويُهنِّئ والده.

العبادة وبذل المعروف

يستيقظ آخر الليل فيتوضأ ويخرج الى مكان مكشوف (السطح حين كان ينام فيه قديمًا أو مقدمة المنزل أو خارج الخيمة إذا كان في مخيم)، وينظر إلى السماء

متأملًا ثم يقرأ قوله سبحانه: “ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار” ويرددها بخشوع.

يُصلي آخر الليل ما تيسر له دون أن يلتزم بعدد معين من الركعات أو طول قراءة محددة، بل يجعل ذلك حسب الوقت المتيسر والرغبة والنشاط، وحين كبر

صار يصلي جالسًا على كرسي يومئ بالركوع، لكنه يسجد سجودًا كاملًا على الأرض .

لديه مبدأ “استغلال فرصة إقبال النفس على الخير والطاعة” ، ويقول : إذا مر بك لحظة إقبال على الله أو شعرت برغبة في عبادة أو عمل خير

فاستغل الفرصة مباشرة وبادر بالعمل ولو كان يسيرا كالذكر أو الدعاء الخاشع.. ، وكان يترجم ذلك عمليا .

ينام بعد عودته من صلاة الفجر قرابة ساعة ونصف ثم يستيقظ ويتوضأ ويصلى ما تيسر، ثم يشرع في قراءة ورده من القرآن (جزئين) من المصحف

قراءة سهلة مرتلة. وإن كان صائمًا جلس في المسجد بعد الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد العصر إلى ما قبل أذان المغرب بعشر دقائق تقريبًا.

يقف عند بعض الآيات متأملًا؛ فإذا كان عنده أحد قال له : “شف..” أي: انظر، وذكر له فائدة من تدبره.

إذا مرَّ بآيات الرحمة والنعيم سأل الله من فضله، فإذا أخذته مشاعر الخشوع رفع بصره للسماء ورفع كفيه أو أصبعه السبابة فدعا له ولوالديه:

(ويسميهما :حمّاد و هيا ووالديهما) وأهله وذريته، ويبادر بذلك جريًا على مبدئه “استغلال فرص الإقبال والرغبة”.

كان أخي يقرأ سورة الرحمن بجانبه في المسجد، ويمر على قوله سبحانه : فبأي آلاء ربكما تكذبان ، فقال له : كلما قرأت هذه الآية فقل من قلب خاشع :

سبحانك يا الله لا نكذب بشيء من آلائك .

إذا لم يتم ورده (جزئين) أتمه بين الأذان والإقامة وأعقاب الصلوات المفروضة.

يصطحب مصحفه في السفر ويمضي جل وقته أثناء الطريق في القراءة، ويستغل آيات الوعد والوعيد للدعاء الخاشع له ولوالديه وأهله مستفيدًا من حالة

الإقبال والطاعة مع كونه مسافرًا.

من مواضع خشوعه : الذكر بعد الوضوء ، فإذا توضأ سلت الماء عن وجهه وذراعيه بيديه غالبا ولا يستخدم المنشفة الا أحيانا ، ثم توجه للقبلة ورفع سبابته

ونظر بعينيه للأعلى ونطق الشهادة والذكر الوارد بخشوع وتعظيم يظهر جليا على محياه .

يصلي السنن الرواتب القبلية في المسجد والبعدية في المنزل، فلما كبر وتفرغ للتأليف وتعلق قلبه بالقرطاس والقلم؛ صار يصليها في المسجد كي لا ينشغل

عنها إذا دخل المنزل.

إذا وجد من نفسه رغبة في التنفل بادر بذلك وصلى ما تيسر؛ مبدأ “استغلال ساعة الإقبال”.

في السفر برًا يحرص على جمع التقديم مبادرة لفعل الطاعة ويقلق إذا طلب منه التأخير لتحصيل المسافة، ويقول “وش معجلنا … خلونا نصلي على هيادة

” أي نصلي مطمئنين .

يخفف الصلاة في طريق السفر ويحرص دائمًا على قراءة آيات الأوراد في الجهرية (الكرسيّ، الإخلاص والمعوذات).

يرى التيسير في القصر والجمع في السفر والنزهات البرية، فيقصر ويجمع ولو رأى البعض أن المسافة ليست بعيدة.

إذا دخل المنزل ذكر الله رافعا صوته، ويعرف أهله أنه دخل بصوت التهليل والذكر.

لا يجلس مجلسًا إلا ويخلل الأحاديث الودية والقصص بفواصل من التسبيح والاستغفار.

قبيل المغرب يقول:” هذا وقت ورد”؛ فيسبح ويذكر الله.

قال لأولاده مرارًا: ” كلما رأيتم السماء والنجوم، والجو هادئ صافي؛ تأملوا هذا الخلق العظيم وقولوا من قلب حاضر خاشع : ربنا ما خلقت هذا

باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار “، وكان يترجم ذلك بفعله المتكرر.

يذكر أولاده عند الحمد على النعم: “قولوا الحمد لله بحضور قلب واستشعار لفضل الله”.

سمعني ذات مرة أقول “الله أكبر” بصوت رقيق؛ فنهرني وقال: “املأ بها فمك وقلها بتعظيم وإجلال”.

كلما تغير الحال الذي هو فيه؛ فقام بعد جلوس أو استلقى أو ركب السيارة أو نزل منها أو انتقل من مكان إلى آخر أو دخل أو خرج أو طال سكوته وانشغاله بالكتابة …

ذكر الله واستغفر .

يقول: ” اكتشفت سرًا من أسرار قول : لا اله الا الله؛ وهو أنك تقولها وتحرك بها لسانك دون تحريك الشفتين فيمكن ترديدها دون أن يشعر بك من حولك”.

كلما زار مريضًا دعا له وأوصاه “عليك بكثرة الاستغفار” وبَيَّنَ له فضل الاستغفار وأهميته.

وكان يرى أن أفضل الخشوع والبكاء من خشية الله هو ما يغشى المؤمن عند قراءة آيات عظمة الله وصفاته.

كان يكره التكلف ولا يشجع على تداول أخبار الزهد الشديد والتجاوز في كثرة العبادة، وإذا ذُكر عنده شيء من ذلك قال: “أكمل الهدي هدي محمد عليه الصلاة

والسلام، عليكم بطريقة النبي في العبادة والكرم والعشرة فهي الكمال وليس فيها تكلف”.

ذكر أحد ابنائه عنده خبرًا من كتاب (حلية الأولياء)، فأخبره الشيخ – رحمه الله- أن أئمة العلم في نجد لم يكونوا يتواصون بقراءة (الحلية)؛ لكثرة ما فيها

من أخبار التشدد والتكلف في الزهد والعبادة .

يكون أحيانًا جالسًا بين أهله يتحدثون فتمر به كلمة أو موقف فتأخذه لحظة خشوع تظهر على محياه يبادرها فورًا برفع بصره للسماء ورفع سبابته مهللًا

مستغفرًا لنفسه ووالديه وأهله.

كان يتصدق على المسكين والضعيف وكبير السن بما تيسر مما في جيبه، وفي موسم رمضان يجمع الصدقات ويواعد الفقراء فيوزع عليهم ما جمعه.

كثيرًا ما يأتيه الفقراء من الدعاة وطلبة العلم الوافدين في منزله فيعطيهم من جيبه ما تيسر، وإن لم يجد كَتَبَ معهم توصية للمحسنين الذين يعرفهم.

ذات مرة في مكة انتهى رصيده وبقي إيجار السكن أربعة آلاف ريال لم يسددها، واثناء جلوسه في الحرم سلّم عليه رجل من معارفه القدامى

وقال : يا شيخ عبدالرحمن أنا أبحث عنك من زمان عندي لك أربعة آلاف تسلفتها منك من سنوات، انتظرني هنا، وذهب الرجل وسحبها من الصراف

وأعطاها للشيخ !

إذا كان السائل شابًا قويًا نصحه بالعمل والاستغناء بالله، ولم يعطه إلا إذا كان مدينًا أو يطلب إعانة على الزواج.

كان يقول :”إذا اقتنعت بحاجة السائل والمحتاج أعطيته ما أستطيع ولو كان المبلغ كبيرًا”.

في طريق عودته إلى منزله في البطحاء رأى رجلا فقيرا معه زوجته وأطفاله قدم من قرية نائية في منطقة جيزان ليراجع الأحوال المدينة لاستخراج هوية

وطنية، وكانت معاملته متعثرة ويعيش هو وأسرته بدون هوية، فجاء به الوالد إلى بيت صغير له بجانب بيتنا كان ينوي تأجيره.

أسكنهم البيت وأحضر لهم ما يحتاجون وصار ينفق عليهم ويتابع معاملتهم سنوات طويلة لكنها متعثرة ، فدخل الوالد على الأمير أحمد بن عبدالعزيز

(نائب وزير الداخلية آنذاك) ولم ينته الأمر، فقابل الأمير محمد بن نايف الذي وجه بمنحهم الهوية وانتهت معاناتهم الطويلة مع التعليم والوظائف والعلاج .

كان يغيث الملهوف ويقف بسيارته للراجلين ويوصلهم .

في طريق عودته من أبها في شدة الصيف عام 1406 هجري، وقت الظهر توقف لمساعدة مجموعة تعطلت سيارتهم وكانوا عطشى جدا فأعطاهم كل

ما في سيارته من ماء وفاكهة وسط استغراب أولاده حيث لم يترك شيئا.. ووعدهم بالبحث عن القطعة التي يحتاجونها، فسار إلى أقرب محطة وصلى الظهر والعصر،

واشترى لأهله الغداء وتركهم في مصلى المحطة، ثم ذهب يبحث عن القطعة فوجدها ، وأخذ أهله ورجع إلى المجموعة وأعطاهم اياها. منظرهم وهم يلهجون له بالدعاء

ترك أثرًا بالغا في نفوسنا .

كان يحب متابعة الحج والعمرة ويتحمل مشقتهما بدون تبرم أو شكوى. يدفع إيجار الشقة أو الغرفة في مكة بكل أريحية ولو كان مرتفعًا، ويقول:

“في سبيل الله”. .يؤدي المناسك ماشيًا فلما مرض صار يسعى راكبًا عربية ويوكل من يرمي عنه الجمرات.

لم يُسمع منه أثناء أداء مناسك الحج والعمرة كلمات، مثل : حر شديد، تعبنا، خسرنا، وإنما كلمات مثل: ما شاء الله متيسرة, كشتة ولله الحمد, نسأل الله القبول,

في سبيل الله.

يعتمر في كل رمضان إضافة إلى ما يتيسر في الإجازات الصيفية والفصلية.

واظب على الاعتكاف في الحرم المكي في العشر الأواخر من رمضان قرابة خمسة عشر عامًا، فلما أعياه المرض واشتد الزحام وصعب عليه الوصول

لدورات المياه صار يعتمر أول رمضان أو وسطه حتى آخر رمضان في حياته.

تابع بين الحج والعمرة كل عام إلى أن تُوفي رحمه الله، فحج ستين حجة.

في شبابه وقوته يصطحب معه بعض أقاربه خاصةً من لم يحج الفرض ثم صار يحج مع رفيق دربه وابن خالته وأخيه في الله الشيخ عبدالله بن عثمان العمر.

لما كبر وزادت تنظيمات الحج تفرغ لبرنامج التوعية في الحج التابع لوزارة الشؤون الإسلامية فصار يحج معهم إلى آخر حجة حجها.

نصحه الجميع بعدم الحج آخر عمره؛ حيث ضعفت عضلة قلبه وظهر عليه الإجهاد وثوران النفس مع الجهد اليسير، لكن تعلق قلبه بالحج جعله يقول :

“ييسرها الله وما يكون إلا الزين”، وكذلك قال حين عزم على آخر حجة وكان يتناول جرعة عالية من مدرات البول وظهر عليه إجهاد شديد لم يظهر عليه

من قبل ..

في تلك الحجة رآه الشيخ عبدالله الفريان جالسًا على الدرج في سكن الدعاة وهو يلتقط انفاسه، فعرض عليه المساعدة، فشكره وأخبره أنه سيرتاح قليلًا ثم يكمل.

بعد الحج أخبرنا الشيخ عبدالله بتعب الوالد (لم يخبرنا الوالد بتعبه في مكة) وأوصانا بإقناعه بعدم الحج مستقبلًا .. لكن أجل الله كان أسبق.

هَمُّ الدعوة الى التوحيد

إذا رأى – رحمه الله – عاملًا في الطريق توقف له وأركبه وسأله ملاطفًا عن اسمه ثم يسأله: هل عندكم أضرحة أولياء؟ ويبين له التوحيد والحذر من الشرك،

فإذا أوصلهم بغيتهم دعا لهم وشجعهم على معرفة التوحيد ونشره، وإذا عرضوا عليه “ثمن التوصيلة” تبسم قائلًا : ادعُ لي !

في أحد مواسم الحج رأى في منامه أنه متلفع بخمار امرأة إيرانية، ولحيته مخضبة بالحناء ويحاول إزاحة الخمار عن لحيته، سأل الله الخير من تلك الرؤيا،

وعندما صلّى في أحد المساجد الكبيرة ألقى كلمة في بيان العقيدة الصحيحة في الأولياء والصالحين وحذر من دعائهم والاستغاثة بهم ، كان المسجد مليئًا

بالإيرانيين فقالوا :أنت تعنينا بهذا الكلام، وبدأ مناظرتهم وهم يقتربون منه حتى أحاطوا به، فقال: أشهد الله واشهدوا أن من دعا غير الله وذبح له فهو

مشرك شركًا أكبر.

وخرج إليه من بين الصفوف رجلان من الأمن السعودي فأخرجوه من المسجد

يقول رحمه الله: فصارت تأويل رؤياي.

ما سأله داعية من دعاة الدول الإسلامية عن أمر أو استنصحه، إلا قال- رحمه الله – له:

” عليك بالتوحيد، فهو أساس دعوة الرسل”.

قال – رحمه الله – مرارًا وتكرارًا: “بيان أهمية التوحيد إجمالًا لا يكفي، بل لا بد من التفصيل وذكر أنواع الشرك المنتشرة اليوم بين المسلمين؛

لأن الذين يقعون في الشرك بل والذين يدعون إليه ويزينونه من علماء الضلالة يقولون : إنهم موحدون، ويحذرون من الشرك إجمالا”.

قال – رحمه الله – أكثر من مرة ما معناه: “إذا أردت أن تعرف عقيدة عالم أو مؤسسة دعوية…هل هي على منهج السلف أم لا؛ فاسألهم عن رأيهم في شيخي

الإسلام ابن تيمية وابن عبدالوهاب – رحمهما الله – ؛ فإن أثنوا خيرًا فهم أهل سنة وتوحيد ، وإن ذموهما فهم أهل خرافة وبدعة “.

ما سمع- رحمه الله – أحدًا يحلف بالنبي عليه الصلاة والسلام (من معلمين و أساتذة جامعيين وعمال) إلا أنكر عليه وبَيَّنَ له الحكم بدليله .

لا تكاد تخلو خطبة من خطبه – رحمه الله – يوم الجمعة من بيان التوحيد والتحذير من الشرك ؛ إما أصلًا أو تبعًا، حتى الآداب يُذَكِّرُ بأعظم الأدب مع الله

وهو توحيده في العبادة.

إذا التقى بطالب علم من الوافدين في الحرم المكي ذَكَّرَه بأهمية الدعوة للتوحيد وعقيدة السلف، ويجر الحديث بعضه ليشمل شبهات المبتدعة في توحيد العبادة

والأسماء والصفات ..

المتأثرون بتلك الشبهات ثلاثة أصناف:

الأول: يقبل النصيحة ويقتنع بالدليل فيدعو- رحمه الله – لهم ويذكرهم بواجب البلاغ..

الثاني: لا يقتنع لكنه يجادل بالحسنى فأولئك ينهي – رحمه الله -ا لنقاش معهم؛ حتى لا يكون مراء ويطالبهم بالبحث والتجرد.

الثالث: (وهم ندرة) من يجادل بباطل و يسيء الأدب في حق علماء السلف ويتحامل على دعاة السنة فأولئك يعلن- رحمه الله – لهم بغضهم في الله والبراءة من معتقدهم .

إذا مات أحد العوام الذين يعرفهم قال- رحمه الله-:

“عوام الموحدين الذين نشأوا في بيئة التوحيد يُرجى لهم خيرٌ” .

كلما رأى- رحمه الله – خللًا يمس التوحيد، أو لاحت له خاطرة تتعلق بأهميته بادر بتدوينها على قُصاصة أو في مقالة مختصرة أو مطولة ثم نشرها مكتوبة

(في الإنترنت أو مطبوعة ورقيًا) او على المنبر.

إذا رأى- رحمه الله – جموع المسلمين في الحرم الشريف يطوفون ويصلون بخشوع؛ تنهد وقال بصوت مشفق : “عساهم على عقيدة صحيحة”.

إذا سافر- رحمه الله – إلى مكة في رمضان وموسم الحج اصطحب معه أحيانًا منشورًا كتبه في التوحيد والتحذير من الشرك، فوزعه على المستفتين وطلاب

العلم والمشاركين في برنامج التوعية والإفتاء في الحج.

ألف كتابًا في أحكام الحج وعرضه على معالي د.عبدالله التركي رئيس رابطة العالم الإسلامي آنذاك فأعجب به وأمر بطباعته وقدم له؛ فكتب الوالد-رحمه الله-

في مقدمته نداء لعلماء المسلمين يذكرهم بواجبهم الأهم في بيان أهمية التوحيد والتحذير التفصيلي من مظاهر الشرك المنتشرة في العالم الإسلامي .

 الشيخ وولاة الأمر

سار- رحمه الله – في معاملة ولاة الأمر على منهج العلماء العاملين الذين تأثر بهم، فيعتقد أن بيعتهم شرعية وحقهم السمع والطاعة في المعروف، مع

مناصحتهم والدعاء لهم بالهداية والتوفيق، والكفّ عن نقدهم في المجالس، وعدم الدخول عليهم إلا لحاجة شرعية.

إذا سمع- رحمه الله – أحدًا يذكر الأمراء بسوء نهاه وقال: “دعوهم وادعوا لهم بالهداية”، ويقول: “هم أصحاب عقيدة وتوحيد نسأل الله ألا يبدلهم بشر منهم”،

ويقول: “هم خيرٌ من كافة رؤساء الجمهوريات العربية الذين لا يُعْرَفُ أصلُهم ولا عقيدتهم”.

في عهد الملك فيصل- رحمه الله – استقدمت المملكة معلمين إنجليز لتعليم اللغة الإنجليزية في المدارس الحكومية فبدر من بعضهم ازدراء المسلمين

وشعائرهم؛ فدخل الشيخ على الملك- رحمهما الله – وشكا إليه حالهم، فأمر الملك باستبدالهم بمعلمين عرب ومسلمين.

في عهد الملك فهد- رحمه الله -، عُقِدَ احتفال في مؤسسة دعوية بحضور الأمير عبدالعزيز (نجل الملك)؛ فكتب الشيخ نصيحة للملك وسلمها للأمير

لتسليمها لوالده.

زار الشيخ- رحمه الله – الملك سلمان-حفظه الله- حين كان أميرًا للرياض عدة مرات؛ يناصحه كتابةً ومشافهةً تجاه ما يراه من أمور عامة.

المرض والوفاة

أُصِيِبَ- رحمه الله – بالسكر ثم الروماتيزم في ركبتيه عام 1410 هـ تقريبًا؛ فصعبت عليه الحركة، واكتفى بالإفتاء الهاتفي ومراجعة مؤلفاته

والمشاركة في المحاضرات والندوات العامة التي تُطلب منه وبعض الرحلات الدعوية ؛ بعد أن قرت عينه بانتشار الصحوة وكثرة الدعاة وطلبة العلم.

اعتل القلب لديه واحتاج عملية قلب مفتوح عام 1425 هجري واستقرت حالته ثم أجرى عملية تغيير مفاصل للركبتين عام 1430هـ وكان بعدها يشعر

بارتياح ونشاط عام .

قبل وفاته بثلاث سنوات ظهرت لديه دوالي في المريء – تبين فيما بعد أن سببها القلب – وصار يعاني من تقرحات المعدة والمريء وآلامها ونزف الدوالي

مع الحاجة لربطها بالمنظار كل فترة .

اعتل قلبه من جديد فضعفت العضلة وبعض الصمامات فكان تنفسه يثور مع المشي وإذا دخل المسجد ماشيا توقف للاستراحة قليلا قبل أن يصل لمكانه المعتاد

واحتاج لنوعين من مدرات البول بجرعة عالية .

نصحه الجميع بعدم الحج عام 1436هــ فكان جوابه “ما يكون إلا الزين ..يسهلها الله”.

يقول الشيخ عبدالرحمن العجلان وكان ممن نصحه بعدم الحج: تفاجأت حين علمت بوجود الشيخ في مكة فزرته في غرفته وكان مشحون

النفس ومعه أوراقه يكتب مسائل شرعية، فقلت : حجيت وأنت تعبان ؟ فقال لي: لعلها آخر حجة..!

بعد عودته لزم المنزل ولم يقدر على الذهاب إلى المسجد ، واشتد الأمر حين ابتلي بسلس البول نتيجة الاحتقان الدائم وجرعات المدر العالية مع كثرة تردده

على دورة المياه (كل نصف ساعة أحيانا) فاضطرب نومه وصار مرهقا مجهدا للغاية وعاودته آلام المعدة والقيء لكنه لم يكن يشتكي وفقد وعيه أكثر من مرة .

لزم الفراش ، يصلي الفرائض فقط وهو جالس، وينظر الى كتبه ومصحفه بحرقة حيث لم يعد قادرا على القراءة.

تسمعه الوالدة حفظها الله يئن في الليل فتسأله عما يؤلمه فيقول : لاشيء مجرد صوت تعودت عليه..

قبل وفاته بثلاثة أيام – وكأنما شعر بقرب أجله – صار يصلي نفلا ركعتين ركعتين كلما سلم من التشهد كبر للإحرام مرة أخرى ليلا ونهارا لا يلتفت إلى أحد

ولا يتحدث مع أحد !

جلسنا عنده بعد المغرب كالمعتاد فلم يلتفت إلينا بل ظل يصلي ، شعرت في قرارة نفسي بأنه عرف قرب أجله فجلست بجانبه أنتهز فرصة سلامه من التشهد

لأمد يدي بسرعة إلى يده أصافحه قبل أن يكبر ، وسألته المسامحة على التقصير في حقه فأثنى خيرًا على الجميع وسأل الله الاجتماع في الجنة.

قلت له : عشت أكثر من ثمانين سنة فأوجز لي نصيحة واحدة أعيش بها ، فقال : “عليك بطاعة الله وغيرها مب حساب”. أي: غير طاعة الله لا قيمة له.

من أكثر أدعيته التي يرددها: اللهم إني أسألك هون الميتة وحسن الخاتمة.

في صبيحة الثاني من ربيع الأول لعام 1437هــ  استيقظ نشيطا فانتقل من سريره إلى غرفة الجلوس ثم دخلت الوالدة بعده إلى الغرفة فوجدته مستلقيا على

الكنب قد فاضت روحه عن عمر يناهز 83 سنة بعد ثلاثة أيام من الصلاة المتواصلة .

تأسست بعد وفاته رحمه الله مؤسسة لنشر علمه

يشرف عليها ابنه الأكبر د.محمد ، ويديرها تنفيذيًا ابنه الشيخ حماد

ومن أعمال المؤسسة: موقع يحوي تراث الشيخ المكتوب والصوتي

الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن حماد العمر الوقفية

 https://www.sh-alomar.com

وحساب تويتر

https://twitter.com/alomar1433

 

اللهم أسكن الشيخ الفردوس الأعلى ووالديه وأهله وأحبابه ومن قال آمين

مرفقات :

الشيخ سعيد بن مسفر _حفظه الله_ متحدثا عن الشيخ عبدالرحمن رحمه الله والدعوة في جنوب المملكة وتأسيس المدرسة السلفية .

وصيته لنا بما نصنع عند وفاته رحمه الله .