من أحكام النِّيابة في الحج والعمرة

     المؤلف: عبد الرحمن بن حماد العمر 

تاريخ الإضافة: 22/7/2021 ميلادي – 12/12/1442 هجري ♦

زيارة: 988 ♦

شارك و أنشر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من أحكام النِّيابة في الحج  والعمرة ([1])

الحمد لله رب العالمين، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد

وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله ﷺ.

أما بعد:

المسألة الأولى: لا تصح النيابة عن الغير في الحج والعمرة إلا لمن قد أدَّى الفريضة؛ لقوله ﷺ للذي سمعه يقول: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ:

«هَلْ حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ»([2]).

المسألة الثانية: في حديث شبرمة دليل على أن الحاج أو المعتمر لو أخطأ في النية والتلبية فإنها تنصرف إلى الحق وهو الحج عن نفسه،

ويستمر في نيته عن نفسه، ولو كان قد نوى في البداية عن غيره؛ لأن نيته في البداية عن غيره غير صحيحة حيث إن النية في البداية يجب

أن تكون له، واصطحاب الأصل لا يعتبر إلا إذا كان صحيحًا، والصحيح أن نية الحج في البداية له وكونه جعلها لشبرمة لا اعتبار لها؛ لأنه

جاهل والجاهل لا يُؤاخذ، وكذا النسيان في النية؛ فإنه لا يصرف الحج ولا العمرة عمن هي له في الأصل، والله أعلم.

المسألة الثالثة: ويدخل في ذلك قاعدة اصطحاب الأصل في النية؛ لكي تشمل جميع فروع العبادة، فلو أَخَّرَ طواف الإفاضة إلى وقت سفره؛

لكي يكتفي به عن طواف الوداع لكنه نسي فنواه وداعًا ولم يذكر إلا بعد أن سافر ويشق عليه الرجوع؛ فإنه يكفيه-إن شاء الله-عن الإفاضة

ولا يُكَلَّف بالرجوع. بخلاف لو أنه ذكر وهو لا يزال بمكة أو قريبًا منها ويتيسر له الرجوع، فالأولى أن يعيد الطواف بنية الإفاضة خروجًا

من الخلاف وإزالة للشك، والله أعلم، وإن لم يعد لم تلزمه الإعادة-إن شاء الله-.

المسألة الرابعة: والقول بصحة طوافه، وإجزائه عن طواف الإفاضة؛ لأنه لـمَّا أحرم بالحج قد نوى الإتيان بجميع أركانه وواجباته، كما لو

نوى من كبَّر تكبيرة الإحرام ناويًا أداء صلاةٍ مفروضة معينةٍ، ثم نسي في أثنائها فصلى آخرها أو بعضًا منها بنية النافلة، فإنها فريضته

ولا يضره النسيان.

المسألة الخامسة: بخلاف الذي قطع نية طواف الإفاضة، وأكمله بنية النفل متعمدًا تأخيره إلى وقت آخر، أو قطع المـُصَلِّي نية الفريضة

وأكملها نافلة متعمدًا، أو قطع نية الطهارة أثناء وضوئه ونوى غسل بقية أعضائه للنظافة فقط؛ فإن نيته تنقطع ولا ينعقد طوافه الفرض،

ولا صلاته المفروضة، ولا يصح وضوؤه؛ لأنه يشترط لصحة العبادة اصطحاب نيتها حتى يفرغ منها، وهذه القاعدة تنسحب على كثير

من العبادات؛ كالزكاة، والصيام، والأضحية، ونحوها.

المسألة السادسة: ويشترط في النائب أن يكون مكلَّفًا، إن كان متطوعًا، وإن كان مستأجرًا أن يكون مع التكليف عدلًا عارفًا بما يلزم

من أحكام الحج، أو مع رفقة صالحة من أهل العلم يأخذ بتوجيهاتهم، وأن لا يكون معروفًا بالغنى، وأنه إنما حج عن الغير ليأخذ المال لحظ

نفسه، أما لو أخذ لإنفاقه في سبيل الله وعلى المحتاجين فله أجران-إن شاء الله-.

المسألة السابعة: لا يجوز لمن يحج لكي يأخذ تكثرًا من غير حاجة أن يستنيب عن غيره، ولا يجوز لمن عرفه بذلك أن يستنيبه. ومثله المؤذن

والإمام الذي يطلب هذه الوظيفة لأجل الدنيا من غير ضرورة، ولا يجوز لمن عرفه بذلك أن يوظفه بخلاف المحب للأذان أو الإمامة وهو

أهل لذلك ولا سبيل إليها إلا بأخذ الأجرة وسيلة إليها لينال الأجر من الله سبحانه، ويتصدق بما زاد عن حاجته من أجرة الأذان أو الإمامة

أو ينفقه في مصالح المسجد فهو يأخذ ليؤذن أو ليصير إمامًا، ولا يؤذن أو يؤم الناس لكي يأخذ؛ لأن هذا الصنيع لا يفعله إلا من لا خلاق

لهم ممن يتخذون الدين وسيلة لنيل الدنيا.

أمَّا العامِّيّ الذي لا يحسن الأذان والإمامة فإنه يحرم عليه أن يكون مؤذنًا أو إمامًا، ولو كان صالحًا تقيًّا يريد الأجر من الله، ولا يريد المال؛

لأن إمامته لا تصح إلا بمثله، ولأن الذي يلحن في الأذان لحنًا يحيل المعنى كأنه لم يؤذن.

المسألة الثامنة: يلزم الحج والعمرة إذا نذرهما المسلم أو المسلمة مع الاستطاعة ولو قد أدَّى الفريضة، إلا أن يستثني بقوله: “إن شاء الله”

متصلًا بنذره فإنه لا يلزمه الوفاء، ومثله اليمين إذا حلف وقال: إن شاء الله – لم يحنث؛ لما ثبت في الحديث الصحيح([3]).

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِه وصَحْبِه وسَلَّمَ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) من كتاب (الإسلام في بيان ما عليه النبي ﷺ وصحبه الكرام) تأليف فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن حمَّاد العمر -رحمه الله-

الجزء الأول صــ(282:281). (جمع وترتيب مؤسسة عبدالرحمن بن حمَّاد العمر -رحمه الله- الوقفيَّة).

([2]) أخرجه أبو داود (1811)، وابن ماجه (2903)، وابن حبان في صحيحه (962)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3128).

([3]) أخرجه أحمد (8074)، وأبو داود (3261)، والترمذي (1531)، والنسائي (3830)، وابن ماجه (2104)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6212).