معنى لا إله إلا الله

 

(1)معنى لا إله إلا الله 

     المؤلف: عبد الرحمن بن حماد العمر 

تاريخ الإضافة: 4/9/2018 ميلادي – 24/12/1439 هجري ♦

زيارة: 988 ♦

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 يشتمل على مسائل كثيرة من العلم نذكر منها ما يلي:

لشهادة (أن لا إله إلا الله) معنى عظيم أوجب الله على المكلفين أن يعرفوه، ويؤمنوا به، ويعملوا بمقتضاه، ويحبوه، ويكفروا بضده وهو الطاغوت.

والطاغوت: مأخوذ من طغى إذا تجاوز الحد، والطواغيت كثيرون، ورؤوسهم خمسة: إبليس-أعاذنا الله منه-، ومن عُبِد وهو راضٍ، ومن دعا الناس

إلى عبادة نفسه، ومن اِدَّعى شيئًا من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله طائعًا عالِمًا مختارًا، قال الله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ

اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم }[ البقرة:265].دلت الآيات والأحاديث على أن مجرد النطق بالشهادة دون فهم لمعناها، وعمل

به عن محبة، وكفر بما يناقضه؛ لا ينفع صاحبه، ولا يدخل به في الإسلام إلا ظاهرًا، كما هي حال المنافقين في صدر الإسلام والعلمانيين المحاربين

للإسلام وأهله في زماننا هذا، وكما هي حال الجُهَّال المقلدين الذين أُقيمت عليهم الحجة بالبيان لهم ولكنهم يقعون في الشرك الأكبر وغيره من نواقض

الإسلام طاعةً وتقليدًا أعمى لسادتهم وكبرائهم من علماء السوء المشركين والمشعوذين.

هذا المعنى للشهادة (لا إله إلا الله) هو العلم بمعنى النفي والإثبات فيها، وحد النفي: قول: (لا إله) أي: نفي لجميع الآلهة التي تُعْبَدُ من دون الله سبحانه

وإبطال لها، وليس نفيًا لوجودها؛ لأنها موجودة وكثيرة.

قد أخبر الله تعالى بوجود الآلهة الباطلة في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ في مواضع كثيرة من القرآن والسنة النبوية وهي: آلهة الهوى، والأحبار

 والرهبان والرؤساء، والدينار، والدرهم، والمنصب ونحو ذلك، قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ

وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُون }[الجاثية:23]، وقال تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ

 ابْنَ مَرْيَمَ }[التوبة:31]وقال تعالى عن المقلدين الجهّال الذين اتبعوا من دعاهم إلى الضلال حينما يلقون في النار تبعًا لهم: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا

 سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا }[الأحزاب 67 – 68].

وقال رسول الله : « تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا

انْتَقَشَ»(2)هذا النوع من التأليه لغير الله-أعني: تأليه الهوى والمنصب والمال-يقع فيه الكثيرون من المنتسبين إلى الإسلام الذين لا يعبدون القبور

ولا يتبعون علماء السوء المشركين والمشعوذين. وهم مختلفون في نسبة هذا التأليه، فمنهم من يصل به تأليهه إلى حد الشرك الأكبر المخرج من ملة

الإسلام، ومنهم من دون ذلك. ومن الناس من يعبد أصحاب القبور من الأنبياء والصالحين، بل والطواغيت الذين يزينون هذا الشرك في حال حياتهم

باسم التوسل بالصالحين إلى الله، بالطواف بقبورهم، وسؤالهم الحاجات، وتفريج الكربات، بل ويعتقدون فيهم أنهم يعلمون الغيب، ويدبرون الكون،

وأن الله جعل لهم ذلك، ويَردُّون بهذا الاعتقاد القبيح الآيات والأحاديث الكثيرة التي بيَّن الله فيها وبيَّن رسوله r كل البيان أنه لا يعلم الغيب إلا الله

ولا يدبر الكون إلا هو وحده لا شريك له. فمن ذلك قوله سبحانه: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون}

[النمل:65]، وقوله سبحانه لرسوله ﷺ:{قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ

إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون }[الأعراف:188].

ومن المعلوم المجْمَعِ عليه بين أهل التوحيد المخلصين لله سبحانه أن الأنبياء والرسل-عليهم الصلاة والسلام-لا يعلمون من الغيب إلا ما أوحاه الله

إليهم، والوحي قد انتهى بموتهم.

أما الأولياء فإن الله سبحانه لم يجعل لهم شيئًا من علم الغيب في حياتهم ولا بعد مماتهم. وهكذا تدبير الكون فإنه لله وحده لم يجعل الله منه شيئًا لا لنبي

ولا لولي ولا لِمَلَكٍ، قال تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِير إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا

مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير}[فاطر13-14].

ومن الآلهة الموجودة: آلهة يعترف عبادها بتأليهها وعبادتها، كالأصنام والصليب والشمس والقمر والنار والكواكب والأشجار والأحجار وغير

ذلك مما يؤلهه المشركون، والتي كانت عبادة أكثرهم لها بحجة أنها وسائل تقربهم إلى الله سبحانه، وأنهم يرجون نفعها وبركتها، كما هي حال

مشركي الجاهلية ونحوهم من عباد الأوثان السابقين والحاضرين.

وما وقع فيه كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام من عبادة أصحاب القبور ومشايخ الطرق الصوفية والأئمة من آل البيت y وغيرهم: إنما وقعوا في هذا

الشرك بنفس حُجَّةِ مشركي الجاهلية، وهي أنهم وسيلة تقربهم إلى الله ويرجون شفاعتهم، ولكنهم لا يعترفون بأنهم يعبدونهم ويؤلهونهم بعبادتهم لهم،

فاتفقوا مع مشركي الجاهلية في العقيدة والعمل، واختلفوا في التسمية؛ وذلك لأن مشركي الجاهلية عرب فصحاء يعرفون معنى (الإله) بأنه: هو

المعبود، ويعرفون معنى (العبادة) بأنها: الدعاء والذبح والنذر والصلاة والخوف والرجاء والتوكل، فهم كمن يشرب الخمر ويسميها باسمها؛ ولهذا أبوا

أن يقولوا: لا إله إلا الله، وقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا}[ص:5]، لأنهم يعرفون أن النطق بلا إله إلا الله يعني إبطال أصنامهم وجميع ما يعبدون من

دون الله مما كان عليه آباؤهم.

أما المشركون المنتسبون إلى الإسلام من غلاة الرافضة والصوفية ومن على شاكلتهم فإنهم كمن يشرب الخمر ويسميها بغير اسمها؛ ولذا فإنَّ عدم

معرفتهم بمعنى الشهادة جعلهم ينطقون بها ولا يعترفون بأن عبادتهم لغير الله تأليه لهذا الغير وشرك بالله عز وجل ناقض لشهادتهم.

وهذا الجهل لا يُعذرُ به المشركون المنتسبون إلى الإسلام؛ لأنه جهل بأعظم ضرورات الدين، فهم كعوام اليهود والنصارى تبع لسادتهم وكبرائهم من

علماء السوء المشركين، فهم ممن قال الله سبحانه مخبرًا عنهم حينما يلقون جميعًا في جهنم: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ

 رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا }[الأحزاب67-68].

ومن المجْمَعِ عليه بين علماء الإسلام الموحدين لله سبحانه والذي دلت عليه الأدلة من القرآن والسنة المطهرة أن الأنبياء والرسل والأولياء لله حقًّا،

والأئمة من آل البيت بريئون ممن يدعونهم ويتخذونهم وسائط عند الله؛ لأنهم في حال حياتهم موحدون لله حق توحيده ويدعون الناس إلى ذلك.

أما أولئك الطواغيت الذين يشركون بالله تعالى، ويبيحون الشرك باسم الوسيلة إلى الله، فهم في الحقيقة أئمة يدعون إلى النار، يحشرهم الله سبحانه

ومن اتبعهم على الشرك بالله جميعًا في جهنم-والعياذ بالله-، كما أخبر سبحانه بأنهم وما يعبدون من دونه حصب جهنم. أما الأنبياء والأولياء حقًّا فإنهم

في الجنة بريئون منهم ومن عبادتهم لهم، وأن عبادتهم ماهي إلا لتلك الأوثان من القبور والأصنام والأشجار والأحجار ومشايخ الضلال الذين حشروا

معهم، نعوذ بالله من حالهم ومآلهم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتبه فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن حمَّاد العمر-رحمه الله-
(2) أخرجه البخاري (2887).