توحيد الربوبية وبعض أمثلة الشرك

     المؤلف: عبد الرحمن بن حماد العمر 

تاريخ الإضافة: 8/6/2021 ميلادي – 27/10/1442 هجري ♦

زيارة: 988 ♦

شارك و أنشر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توحيد الربوبية وبعض أمثلة الشرك([1]

الحمد لله رب العالمين، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد

وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله .

أما بعد:

توحيد الربوبية: هو توحيد الله سبحانه وتعالى بأفعاله التي لا يقدر عليها إلا هو؛ ومنها: الخلق، والرزق، والإِحياء، والإماتة، وتدبير الكون،

وإنزال المطر،وشفاء المريض، وعلم الغيب إلى غير ذلك؛ قال الله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ

اسۡتَوَىٰ عَلَى الۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي الَّيۡلَ النَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَالشَّمۡسَ وَالۡقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ الۡخَلۡقُ وَالۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الۡعَٰلَمِينَ

(٥٤)} [الأَعۡرَاف: 54].

وهذا النوع من التوحيد قد أقرَّ به المشركون في الجاهلية، كما بيَّن سبحانه ذلك في الآيات الكثيرة من القرآن العظيم؛ ومنها قوله تعالى:

{وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الۡعَزِيزُالۡعَلِيمُ (٩)}[الزُّخۡرُف:9]، وقوله تعالى: {قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ

وَالۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ السَّمۡعَ وَالۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ الۡحَيَّ مِنَ الۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ الۡمَيِّتَ مِنَ الۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا

تَتَّقُونَ (٣١)} [يُونُس: 31]. أي: أفلا تتقون الله، فتوحدونه في ألوهيته وعبادته كما وحدتموه في ربوبيته؛ فإن الخالق الـمُدَبِّر: لا بد

أن يكون هو الإله الحق الواحد الذي لا شريك له، ولا تصح العبادة إلا له؛ كما في الآية بعدها: {فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ الۡحَقِّ إِلَّا

الضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ (٣٢)} [يُونُس: 22]،

ومثل ذلك قوله تعالى: {قُل لِّمَنِ الۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلۡ مَن رَّبُّ السَّمَٰوَٰتِ السَّبۡعِ وَرَبُّ

الۡعَرۡشِ الۡعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ (٨٨)

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ (٨٩)} [المُؤۡمِنُون: 84 – 89].

ثم بيَّنَ الله سبحانه بعد هذه الآيات أنه لم يتخذ ولدًا كما يزعمه اليهود والنصارى والمشركون؛ لأن الولد والوالد إنما يكون للمخلوق،

والمخلوق لا يكون خالقًا ولا إِلهًا، وبيَّنَ أنه الإله الحق الواحد الذي لا شريك له.

إذ لو كان معه إله لحصل الاختلاف بين الآلهة واستقلَّ كل إله بما خلق، وحينئذ يفسد الكون؛ قال الله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ

مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَٰلِمِ الۡغَيۡبِ وَالشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ (٩٢)}

 [المُؤۡمِنُون: 91 -92].

وهذا الإقرار بتوحيد الربوبية من المشركين في الجاهلية لم يدخلهم في الإسلام؛ بل أعلن الله كفرهم ونفى عنهم تقواه سبحانه؛ لعدم توحيدهم

له في الألوهية والعبادة التي خلقهم من أجلها.

ومن أمثلة الشرك الأكبر الـمُخرِج من الإسلام في الربوبية: نسبة خلق الكون إلى غير الله سبحانه؛ مثل: الحوادث الكونية، ونظرية دارون

المسمَّاة بــ (نظرية التطور والارتقاء)، ونسبة الأقدار التي تجري على الإنسان والحظّ إلى الأبراج، واعتقاد أن فلانًا الإمام أو الوليّ أو

الشيخ يُدبِّر الكون أو يقول للشيء: كن فيكون، وما أشبه ذلك، فهذا كله كفر بالله، وشرك أكبر، يخرج الـمُدَّعي للإسلام من الإسلام؛ وإن

صَلَّى، وصام، وحجَّ، ونطق بالشهادتين؛ والشرك في الربوبية يتضمن الشرك في الألوهية.

ومن الشرك الأصغر في الربوبية: نسبة المطر إلى الأنواء؛ كقول العرب في الجاهلية: مُطرنا بنَوْءِ كذا وكذا، وقد يكون شركًا أكبْرَ إذا اعتقد

أن النَّوْءَ هو الـمُؤثِّر الـمُوجِد للمطر وليس الله سبحانه.

بخلاف ما لو جعل أشعة الشمس النازلة على البحار والرياح المثيرة للسحاب والملقحة له أسبابًا جعلها الله لحصول المطر، أو اعتقد بأن الله

سبحانه أجرى العادة بنزول المطر في برج كذا أو نَوْءِ كذا، وهكذا في الزلازل، والخسوف، والكسوف، ونحو ذلك من الظواهر الكونية، فإن

نسبتها إلى أسباب خلقها الله سبحانه وتوصل لمعرفتها الإنسان عن طريق التجربة أو الدراسة؛ فإن ذلك جائز لا محذور فيه.

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِه وصَحْبِه وسَلَّمَ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) من كتاب (الإسلام في بيان ما عليه النبي ح وصحبه الكرام) تأليف فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن حمَّاد العمر – ،

الجزء الأول صــ(267:265). (جمع وترتيب مؤسسة عبدالرحمن بن حمَّاد العمر – الوقفيَّة).