النِّيَّة وأحكامها وحديث النفس

النِّيَّة وأحكامها وحديث النفس(1)

     المؤلف: عبد الرحمن بن حماد العمر 

تاريخ الإضافة: 8/11/2020 ميلادي – 22/3/1441 هجري ♦

زيارة: 988 ♦

شارك و أنشر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

• ويشتمل هذان اللفظان على عدة مسائل:

1- النية: القصد، وهي إرادة القلب وقصده، وهو محلها، وتكون بمعنى الاعتقاد لكنه أعمُّ منها في الألفاظ، إذ ليس كل من اعتقد

شيئًا نوى فعله.

2- وحكمها شرط لصحة الإسلام والإيمان والعبادات الواجب منها والنفل، والدليل قوله في الحديث المتفق عليه الذي رواه أمير المؤمنين

عمر رشي الله عنه : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ،

وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»(2).

3- الاحتساب في النية: وهي احتساب الأجر حتى في فعل المباح فإنها تجعل المباحات عبادات، والعكس بالعكس، أي أن النية السيئة تجعل

المباحات التي تبنى عليها محرمات؛ لأن الوسائل لها حكم الغايات كما هو مقرر في علم الأصول، فإذا نوى بأكلة السحور التَّقَوِّي على

الصيام، وبالقيلولة التقوي على قيام الليل، وبمعاشرة زوجته إعفافها وإعفاف نفسه؛ كان له بذلك أجر، ولو نوى بالقيلولة التَّقَوِّي على إحياء

سهرة محرمة؛ فإنه يأثم بهذه النية وبهذه القيلولة، قال : «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. قالوا: هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ

الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»(3). أي: ظلمًا لا دفاعًا.

4- وتُشرع النية الصالحة فيما لا يملك، بأن يتمنى صادقًا مالًا يستطيع به الإحسان، كأن يَعْمَلَ مثل فلان المُحْسن لو استطاع،  قال رسول

الله : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»(4)، وقال : «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا

صَحِيحًا»(5)، وقال : «إنَّ أَقْوَاماً خَلْفَنَا بِالمَدِينَةِ مَا سَلَكْنَا شِعْباً، وَلاَ وَادِياً إِلاَّ وَهُمْ مَعَنَا، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ»(6).

5- وتحرم النية السيئة كما تقدَّم بيان ذلك، وتحريمها مراتب: منه ما هو كفر مخرج من الملة، كالنفاق الاعتقادي كأن ينوي حرب المسلمين

تعاونًا مع الكفار محبة لهم وبغضًا للإسلام وأهله، لكنه ترك ذلك عجزًا أو خوفًا.

6- ومنه ما هو كبيرة، كالنفاق العملي بأنواعه، وإرادة الفاحشة، أو الاعتداء على دم معصوم أو ماله بغير حق، وكإرادة الإلحاد بظلم دون

الكفر في الحرم، فهذه نية لها حكم الكبيرة إذا اقترنت بالعزم على الفعل أو القول ولو لم يفعل ولم يقل، إذا كان المانع له العجز أو الخوف من

المخلوق.

7- والمؤاخذة عليها حاصلة في الحرم وغيره، لكن المؤاخذة على النية السيئة إذا لم يتب منها حاصلة في الحرم أعظم وأنكى.

8- أما الذي يهمُّ بالسيئة ولا يعملها فتُكتب له حسنة كما ورد، فهو الذي لم يعملها خوفًا من الله عز وجل مع قدرته على الفعل، أما من

هَمَّ بها وعجزعن فعلها فهي سيئة تُكتب عليه؛ لأن لكل امرئ ما نوى.

وحكم النية في المعاملات واجب إصلاحها؛ لأن إحسانها حسنات وبركات، وفسادها سيئات ومحق بركات، قال : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى

يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»(7)، ومثله: حديث المتبايعين.

9- ونية الحالف على نية المحلوف له، إذا كان صاحب حق.

10- أمّا إذا كان الحالف على حق والمحلوف له مبطل ظالم فهي على نية الحالف، والتأويل ينفعه.

11- وأما الخواطر النفسية التي لم يتعمدها العبد، والوساوس الشيطانية التي يلقيها الشيطان في القلب، وحديث النفس الذي لم يتكلم به العبد

ولم يعمل به، كل ذلك لا يُؤاخَذ عليه إلا إذا تعمَّده وأشغل به فكره.

12- أمّا إذا تعمَّد الاسترسال في اتّباع الوساوس الشيطانية والخواطر النفسية المحرمة، وتعلّق قلبه بها وتمناها؛ فإنه يُؤاخَذ عليها ويقع بها في

الإثم، فيجب على من ابتلي بها أن يدفعها بالاستغفار والاستعاذة بالله سبحانه من شر نفسه ومن شر الشيطان وشركه؛ لأن مجرد حبه لها

بدافع الشهوة لكنه تركها لله سبحانه إيمانًا به وخوفًا منه سبحانه، وتضحية بمراد نفسه في سبيل مراد ربه سبحانه، لا يُؤاخَذ به-

إن شاء الله تعالى-.

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِه وصَحْبِه وسَلَّمَ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من كتاب (الإسلام في بيان ما عليه النبي وصحبه الكرام) تأليف فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر-رحمه الله-، الجزء الأول صـــــــ (132:130).
(2) أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907).
(3) أخرجه البخاري (31)، ومسلم (2888).
(4) أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907).
(5) أخرجه البخاري (2996).
(6) أخرجه البخاري (2839).
(7) أخرجه البخاري (13)، ومسلم (45).