الاستواء والنزول والعرش والكرسي

الاستواء والنزول والعرش والكرسي 

     المؤلف: عبد الرحمن بن حماد العمر 

تاريخ الإضافة: 8/10/2019 ميلادي – 9/2/1441 هجري ♦

زيارة: 988 ♦

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاستواء والنزول والعرش والكرسي(1)

الكلام على هذه الأسماء ومعانيها يشتمل على المسائل الآتية:

1- الاستواء في اللغة: العلوّ والارتفاع، قال الله تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ

وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم}[البقرة:29]، وقال الله تعالى في وصف ارتفاع السنبل على سوق الزرع: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ}[الفتح:29]، ويطلق على بلوغ

المنتهى في الإدراك والقوة والعقل بالنسبة للإنسان، كقوله تعالى:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين}[القصص:14].

2- أما تفسير الاستواء بالاستيلاء فهو باطل ولا أصل له في لغة العرب، وإنما هو من كذب المبتدعة المؤولين لصفات الله عز وجل  المنكرين لعلو الله

سبحانه على العرش حقيقة، وهم الذين وضعوا بيت الشعر المشتمل على هذا المعنى الباطل ونسبوه إلى العرب، والحقيقة أنه لا يوجد في شيء من

دواوين شعر العرب، كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -، والبيت المكذوب هو قولهم(2

                                                              قد استوى بشر على العراق                        من غير سيف ودم مهراق

3- وتعريف استواء الله عز وجل على عرشه شرعًا هو: علوه عليه علوًّا يليق بجلاله وعظمته، يجب إثباته والإيمان به من غير تشبيه ولا تمثيل ولا

تكييف ولا تعطيل ولا تأويل، وقد أخبر الله سبحانه بذلك عن ذاته المقدسة في سبعة مواضع من القرآن، منها قوله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}

 [طه:5]، وقوله تعالى:{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}[السجدة:4]، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة. وقد دلت على علوِّ الله تعالى على عرشه فوق

السماوات علو ذات وقدر الآيات الكثيرة أيضًا، كقوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُور أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء

أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِير}[الملك:16-17]، وقوله سبحانه: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ

وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}[فاطر:10]، وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ}[آل عمران:55]،

وقال الله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}[الأعلى:1-3]، وقوله ﷺ للجارية: «أَيْنَ اللَّهُ؟  قَالَتْ:  فِي السَّمَاءِ.

قَالَ: مَنْ أَنَا؟  قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ ﷺ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»(3).

وقد جاءت الأحاديث آمرة العباد أن يقولوا في سجودهم: سبحان ربي الأعلى. 

4- دَلَّت الفطرة التي فطر الله الناس عليها على أن الله سبحانه في السماء فوق جميع المخلوقات؛ ولهذا فإن الإنسان إذا دعا الله ولو كان عاميًّا

لا يعرف عن هذا الموضوع شيئًا فإنه يتوجه حال دعائه بقلبه وبصره ويديه إلى السماء. ولهذا أفحم أحد المستمعين الجويني إمام الحرمين لما سمعه

يقرر مذهب الأشعرية في درسه: وهو أن علوَّ الله تعالى علو قدر لا ذاتًا، فأفحمه بقوله سائلًا له: ما هذه الضرورة التي يجدها أحدنا في نفسه

وهي التوجه بالقلب واليدين إلى السماء إذا دعونا الله؟ فبكى الجويني وقال: هذا الذي حيرني(4).

5- لا يلزم من استواء الله تعالى على عرشه جلوسه عليه، ولا أنه محتاج إلى العرش، ولا أن العرش يحمله سبحانه، بل إنه يحمل العرش ويمسكه

ويمسك السماوات والأرض أن تزولا، فهو الغني بذاته عن جميع مخلوقاته.

6- العرش: مخلوق عظيم، فهو أعظم مخلوقات الله وأوسعها وأعلاها، ومحيط بها من جميع الجهات، ودليل ذلك كثير ومنه قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ

السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}[البقرة:255]، والكرسي داخل العرش والعرش محيط به، ودليل ذلك من السنة كثير ومنه قوله ﷺ : «مَا السَّمَاواتُ السَّبْعُ

في الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تِرْسٍ»([5])، وقال : «مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ، إِلَّا كَحَلَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلاةٍ مِنَ الْأَرْضِ»([6])،

وقال : «بَيْن السَّمَاء الدُّنْيَا وَاَلَّتِي تَلِيهَا خَمْسمِائَةُ عَامٍ , وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ و سَمَاءٍ خَمْسمِائَةِ عَامٍ, وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَة وَالْكُرْسِيِّ خَمْسمِائَةُ عَامٍ, وَبَيْنَ

الْكُرْسِيِّ وَالْمَاءِ خَمْسمِائَةُ عَامٍ, وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاَللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالكُمْ»([7]).

7- دلت الآيات والأحاديث ومنها ما تقدم على كروية الأرض والشمس والقمر والنجوم والسماوات وأنها تسبح في الفضاء، وَوَجْهُ الدلالة في الآيات

قوله سبحانه عن الشمس والقمر وغيرهما من النجوم: { لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون }[يس:40]

والفَلَكُ في اللغة: الشيء المستدير. والسباحة: هي العوم في الماء أو في الفضاء.

وَوَجْهُ ذلك في الأحاديث ومنها ما تقدم قوله عن السماوات: كسبعة دراهم ألقيت في ترس؛ لأن الدراهم مستديرة والترس مستدير، وقوله عن

الكرسي كحلقة من حديد أُلقيت في فلاة من الأرض: الحلقة مستديرة، واستدارة النجوم والشمس والقمر أمر مشاهد بالعين المجردة، وقد بَيَّنَ ذلك شيخ

الإسلام ابن تيمية – في الرسالة (العرشية) و(شرح حديث النزول) ورسالته (بيان الهدى من الضلال في أمر الهلال) وغيرها، وبَيَّنَ – أن الأرض

وهذه النجوم جميعها في فضاء يحيط بها، وأن السماء فوقها من جميع الجهات.

8- دلت سباحة الشمس والقمر في الفلك وغيرهما من النجوم، ودلت إحاطة الكرسي بالسماوات السبع، ودلت إحاطة العرش بالكرسي؛ على أن هذه

الآيات العظيمة وهي الشمس والقمر والنجوم والكرسي والأرض جميعها في فضاء، فسبحان الله العظيم الذي خلقها وسوَّاها وأحكم نظامها وأمسكها

بغير عمد نراها؛ ولهذا لا نَنْفِي وجود عمد لا نراها، ربما أنها الجاذبية العظيمة التي تمسكها في أفلاكها إمساكًا محكمًا لا تضطرب معه ولا تميد بل

تسبح في أفلاكها وتجري كما يشاء الله سبحانه، وما صرَّح به علماء الفيزياء والفلك من الحق في ذلك، فإنما هو من العلم الذي علمهم إياه سبحانه.

9- ثبت في الحديث الصحيح أن الكرسي موضع قدمي الرحمن عز وجل ، وهذه الصفة يجب إثباتها كغيرها من الصفات على الوجه اللائق بالله سبحانه،

من غير تكييف ولا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل.

وكذلك صفة القدم ثابتة لله سبحانه وهي من صفاته الذاتية التي يجب إثباتها لله سبحانه على ما يليق به سبحانه، دون تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا

تكييف ولا تأويل كغيرها من صفاته سبحانه، ودليل ذلك ما قاله النبي :«لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا، وَتَقُولُ:هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا

قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ»([8]).

 10- وكذلك صفة اليدين ثابتة على الوجه اللائق به سبحانه؛ لقوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}[المائدة:64].

11- وكذلك صفة الأصابع ثابتة لله على الوجه اللائق به سبحانه، والدليل ما أخرجه الإمام أحمد – في مسنده عن علقمة عن عبد الله قال: «جَاءَ رَجُلٌ

 إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَبَلَغَكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَحْمِلُ الْخَلائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرْضَينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالثَّرَى

عَلَى إِصْبَعٍ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ  حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقُولِ الحَبْرِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون}[الزمر:67]، وفي رواية: فقرأ :{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} الآية»(9).

12- ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الله سبحانه ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا فيقول: «هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ

فَأُعْطِيَهُ؟هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ»(10)، وعشية يوم عرفة فيباهي بأهل الموقف ملائكته ويقول: «انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي

أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا [إلى قوله سبحانه]: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غفَرْتُ لَهُمْ»(11).

ونزوله سبحانه نزول يليق بجلاله، لا يلزم منه خلو العرش من استوائه عليه، ولا يلزم منه أن السماء تظله ولا غير ذلك مما يحصل للمخلوق.

13- وما نُسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه نزل من فوق المنبر وقال: “إن الله ينزل كنزولي هذا”. فهو كذب عليه، افتراه المبتدعون إذ إنه المعروف

بتنزيه الله عز وجل عن التشبيه والتمثيل والتكييف والتأويل والتعطيل، وكتبه زاخرة بذلك التنزيه لرب العالمين.

14- ومعلوم لدى كل موحد لله متبع لسنة نبيه أنه لا يبغض ابن تيمية ومن على نهجه من أئمة السلف السابقين له كالأئمة الأربعة، وأهل الحديث

والمفسرين كابن جرير وتلامذتهم ومنهم: ابن القيم، وابن كثير، ومن أتى من أئمة السلف المتأخرين بعدهم، وفي مقدمتهم الإمام المجدد محمد بن

عبدالوهاب، وابن الأمير الصنعاني، وأهل الحديث السلفيون في الشام وعلى رأسهم المحدث السلفي محمد بن ناصر الدين الألباني، وأهل الحديث

السلفيون في الهند وباكستان وغيرهما، وأنصار السنة المحمدية في مصر والسودان، وحملة راية التوحيد في المملكة العربية السعودية وعلى رأسهم

أنصار دعوة الأمام محمد بن عبدالوهاب من آل سعود، والأئمة العلماء من أبنائه وأحفاده وتلامذته وتلامذة أحفاده الذين ملأ علمهم وإصلاحهم الأرض

وعلى رأس المتأخرين منهم العلامة مفتي المملكة في زمنه محمد بن إبراهيم وتلميذه العلامة مفتي المملكة في زمنه عبدالعزيز بن باز

-رحمهم الله- جميعًا …

 معلوم لدى جميع أهل التوحيد الداعين إلى إخلاص الدين لله تعالى ومحاربة الشرك والبدع في العالم الإسلامي أنه لا يبغض هؤلاء إلا مشرك مبتدع

ضال قد شَرِق بالقرآن والسنة والداعين إليهما، أو جاهل مقلد لعلماء السوء المشركين تقليدًا أعمى.

ولو قرأ عالم منصف هدفه معرفة الحق كتب الإمامين أحمد بن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب لعرف أنهما على الحق الذي دعا إليه المصطفى

وأن ما نُسب إليهما من قدحٍ فيهما زور وبهتان لم يسبق إليه إلا المشركون المكذبون لرسل الله وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

15- الجهة: دلت الآيات والأحاديث الصحيحة ومنها حديث الجارية التي سألها رسول الله : «أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ:  فِي السَّمَاءِ. قَالَ: مَنْ أَنَا؟

 قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»(12)، وما تقدم من الآيات الدالة على علو الله سبحانه واستوائه على عرشه وغيرها،

جميعها قد دلت على أن الله سبحانه في جهة العلوّ، وأنه فوق العرش، والعرش فوق السماوات والماء، وليس فوق الله شيء بل هو فوق كل شيء.

والجهة المنفية عن الله سبحانه وتعالى هي التي تَحُدُّه، أما القول بأن الله سبحانه ليس في جهة فهو قول باطل مردود بنص القرآن والسنة والفطرة السوية؛

لأنه سبحانه في جهة العلو فوق جميع المخلوقات، لا يرتاب في ذلك عاقل سوي الفطرة.

16- التفويض: في كيفية الصفات حقٌّ، والتفويض في الصفات عمومًا باطل، وأهل السنة والجماعة أو السلف الصالح يفوضون كيفية صفات الله سبحانه

ولا يخوضون في الكيفية، فهم يثبتون لله سبحانه صفاته على الوجه اللائق به حقيقة، بلا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تأويل.

أما المفوِّضة الذين يفوِّضون الصفات فلا يثبتونها ولا ينفونها، فهم على ضلال وابتداع فيما ذهبوا إليه؛ لأن القرآن بلسان عربي مبين، وأسماء الله

سبحانه وصفاته من المحكم الذي قد عُرِف معناه.

17- التعطيل والتأويل:

التعطيل: هو إنكار معاني صفات الرب عز وجل، وهو مذهب المعطِّلة الجهم بن صفوان وأضرابه، يثبتون ألفاظها وينكرون معانيها، ومذهب هؤلاء

يعني في الحقيقة إنكار الصفات، وهذا يجرُّ إلى إنكار الله سبحانه؛ لأنه لا ذات إلا ولها صفات، ولهذا كَفَّرَهُم من كَفَّرَهُم من السلف؛ لأن مذهبهم إلحاد

ظاهر.

والتأويل: هو إثبات الصفات على غير معناها الظاهر، ولكن بتأويلها إلى معانٍ أخرى، كتأويل النزول بالأمر، والاستواء بالاستيلاء، وهو مذهب باطل

مخالف لمذهب السلف الصالح أهل السنة والجماعة، وهو-أي التأويل-مذهب المعتزلة والأشعرية ومن نحا نحوهم.

18- المعتزلة: هم الذين اعتزلوا حلقة الشيخ حسن البصري لما أظهروا مخالفتهم له في التمسك بعقيدة السلف الصالح، ومن أئمتهم: واصل بن عطاء.

19- الأشعرية: نسبة إلى أبي الحسن الأشعري، كان معتزليًا يؤول جميع الصفات ثم انفرد بمذهب عدم تأويل الصفات السبع المعنوية وهي: العلم،

والحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، مع تقصير في صفة الكلام حيث جعل القرآن حكاية عن كلام الله تعالى.

 والحقيقة أنه كلام الله حروفه ومعانيه، وأن ما نقرؤه في المصحف ونسمعه من قارىء القرآن هو كلام الله سبحانه، وأما المخلوق فهو صوت القارئ

والمداد والورق، وقد انتشر المذهب الأشعري في العالم حتى صار أكثر المفسرين وأكثر علماء المذاهب أشاعرة إلى الآن. ترى في تفاسيرهم ومؤلفاتهم

تأويل الصفات ما عدا السبع المذكورة، وهم بهذا التأويل ضالون بلا شك؛ لأن الحق إثبات جميع صفات الله تعالى على الحقيقة على الوجه اللائق به

سبحانه كما تقدم، وهو ما أثبته أئمة مفسري السلف الصالح كابن جرير وابن كثير والبغوي ومن على منهج الحق غيرهم.

وقد رجع الإمام أبو الحسن الأشعري عن مذهبه هذا، وأعلن رجوعه على المنبر أمام الناس، وكان عليه قميصان فخلع الأعلى منهما وقال: “إني أخلع

مذهب الاعتزال كله كما أخلع قميصي هذا”، وأعلن أن مذهب السلف وهو عدم التأويل في جميع الصفات هو الحق، وألَّف كتابه: (الإبانة) على طريقة

السلف الصالح، فانقسم أتباعه إلى قسمين: قسم قالوا لم نتبعه تقليدًا وإنما اقتناعًا فلا نرجع كما رجع، وبقوا على ضلالهم وهم الكثرة وأخذ هذا المذهب

عنهم تلامذتهم إلى اليوم. وقسم شرح الله صدورهم للإيمان فرجعوا إلى الحق كما رجع والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

20- التشبيه: هو تشبيه صفات الله تعالى بصفات المخلوق وهو إلحاد وشرك بالله، ومخالفة صريحة للآيات والأحاديث، مثل قوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ

شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير}[الشورى:11]، وقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد ﭕ اللَّهُ الصَّمَد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد ﭝ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد}[الإخلاص:1-4].

21- والتمثيل: هو تمثيل صفات الله تعالى بصفات خلقه، وهو القول فيها: مثل كذا، وهو أخص من التشبيه، وكلاهما مذهب باطل وشرك بالله تعالى؛

لأن الشبيه والمثل لا يكون إلا للمخلوق، وإثبات الصفات لله سبحانه على الوجه اللائق به لا يلزم منه التشبيه ولا التمثيل كما يقوله المعطلة والمؤولة

الذين يسمون أهل السنة وهم السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان: المشبهة؛ لأن التشبيه هو أن يُقال في الصفة إنها شبه كذا، ومثله التمثيل. أما إثباتها

كما جاءت مع نفي التشبيه والتمثيل والتكييف والتأويل والتعطيل فهو الحق. ويرد عليهم أيضًا بأن:

نفي حقيقة صفات الله سبحانه يلزم منه نفي ذاته سبحانه؛ لأنه لا ذات إلا ولها صفات، وصفات الله سبحانه تليق به، فكما أن له ذاتًا لا تشبهها الذوات، فإن

له صفات لا تشبهها الصفات.

ويصف المعطلة والمؤولة أهل السنة بأنهم مجسمة، ويرد عليهم بما تقدم، وهو أن التجسيم من الألفاظ المبتدعة التي لا يجوز وصف الله بها ولا نفيها عنه

بل يسكت عنها؛ لأن الله سبحانه سكت عنها ورسوله .

22- والقاعدة في صفات الله سبحانه: أن الله سبحانه لا يُوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله ، وما سكت الله سبحانه عنه

ورسوله  يجب السكوت عنه، كما يجب نفي ما نفاه سبحانه عن ذاته ونفاه عنه رسوله من المثل والنِّد والصاحبة والولد.

23- ويُرَدُّ كذلك على المعطلة والمؤولة الذين يسمون أهل السنة المتبعين للسلف الصالح مشبهة لأنهم أثبتوا صفات الله سبحانه على وجه الحقيقة،

يرد عليهم بأن الإثبات لا يلزم منه التشبيه، إذ لو لزم منه التشبيه لزمكم أنتم بأنكم مشبهة؛ لأنكم تثبتون لله ذاتًا ووجودًا، وكل المخلوقات لها ذوات

ووجود، ولو أنكرتم ذات الله سبحانه لكفرتم.

                                                                                    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من كتاب (الإسلام في بيان ما عليه النبي وصحبه الكرام) تأليف فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر-رحمه الله-، الجزء الأول صـــــــ (98:88).
(2) هذا البيت  يُنسب للأخطل، وليس في ديوانه، فقيل: إنه محرف، وإنما هو: بشر قد استولى على العراق. وقيل: إنه مصنوع. انظر: فتاوى ابن تيمية (5/ 146)
ومختصر الصواعق المرسلة (3/ 912).
(3) أخرجه مسلم (537).
(4) يُنظر: العلو للعلي الغفار للذهبي (صـ 259)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (صـ 291).
([5]) أخرجه الطبري في جامع البيان (5794) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي ، وقال الذهبي في العلوّ للعليِّ الغفّار (صـ117):
“هذا مرسل وعبد الرحمن ضعيف”،
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (6118)، وهو عند ابن حبان (361) بلفظ: «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ فِي أَرْضِ فَلاةٍ، وَفَضَلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ
كَفَضْلِ الْفَلاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ».
وهذا اللفظ صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (109)، وتخريج الطحاوية (صـ54).
([6]) أخرجه الطبري في جامع البيان (5794)، وأبو الشيخ في العظمة (141), وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (109)، وتخريج الطحاوية (صـ312).
([7]) أخرجه الدرامي في الرد على الجهمية (81)، وابن خزيمة في التوحيد (1/242)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (2/ 396)،
والبيهقي في الأسماء والصفات (851)،
وصحح إسناده ابن القيم في مختصر الصواعق (2/ 210)، وصححه الألباني في مختصر العلوّ (صـ 103).
([8]) أخرجه البخاري (6661)، ومسلم (2848).
(9) أخرجه أحمد واللفظ له (3590)، والبخاري (4811 و 7414)، ومسلم (2786) بنحوه.
(10) أخرجه مسلم (758)، وأحمد (16745).
(11) أخرجه أحمد (7089) دون زيادة: «أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غفَرْتُ لَهُمْ»، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1868)، وأخرجه ابن خزيمة بتمامه (3852)،
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (679).
(12) أخرجه مسلم (537).