الإسلام دين العدل

الإسلام دين العدل

     المؤلف: عبد الرحمن بن حماد العمر 

تاريخ الإضافة: 13/10/2019 ميلادي – 14/2/1441 هجري ♦

زيارة: 988 ♦

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإسلام دين العدل(1)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:

قد أمر الله تعالى بالعدل مع العدو والصديق، وحرّم الظلم على نفسه، وجعله محرّمًا بين عباده وأمر بالأمانة والصدق، وحرّم الخيانة، وأمر ببر الوالدين،

وصلة الأرحام، والإحسان إلى الفقراء، والمشاركة في الأعمال الخيرية، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ

إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب}[المائدة:2].

ومن سنن الله الكونية أن العدل أساس كل شيء:

لا يستقيم أي أمر بدونه، فالسموات والأرض قامتا على العدل، ومعنى ذلك محسوس لدى علماء الفلك والفيزياء،

ومنه أن الله سبحانه يمسك السماء والأرض وما بينهما بنظام عظيم محكم، وهو الجاذبية الهائلة التي لا تتغير ولا تضطرب، فهي العُمُد التي لا نراها،

وجعل الأرض مسخرة ذلولًا يعيش عليها العباد، ويأكلون مما تنبته، وسَخَّرَ الشمس والقمر والنجوم تَسْبح في أفلاك يتمتع العباد بها، ويعرفون بها السنين

والحساب، ويهتدون بها في ظلمات البر والبحر، ويستضيئون بالشمس ويستدفئون بها، وتصلح بها معايشهم.

والعدل أساس الملك، ولذا فمن سُنة الله تعالى أن حكم الحاكم العدل يدوم ولو كان كافرًا.

والحاكم المسلم العدل هو الذي يحكم بما أنزل الله، وهو الذي لا يظلم الناس، ويعطي كل ذي حق حقه، ولا يدوم الحكم للحاكم الظالم وإن كان مسلمًا، بل إن الله

ينزعه منه هذا في الدنيا، وفي الآخرة قد توعده الله بالنار -أعاذنا الله منها-.

والعدل أساس صلاح المصنوعات، والانتفاع بها، فالبنيان لا يقوم إلا على الأسس والأعمدة القوية، والقِدْرُ لا ينتصب إلى على ثلاث قوائم،

وهكذا السيارة والطائرة لا تستقيم في حركتها وسيرها إلا على العدل في حَملها على عجلاتها السليمة في جوانبها، وعلى سلامة محركاتها واعتدالها،

بل أن الإنسان لو اختل توازنه لسقط، وهكذا الكلام والنظام لجميع الشئون الحياتية لا يتم ويصلح إلا إذا كان معتدلًا سليمًا من الأخطاء.

والعدل في كل شيء من المعاملات وغيرها واجب على الوجه الشرعي، وكذا العدل بالتسوية في عطية الأولاد ما عدا ما يجب لكل واحد بعينه

إذا وجد موجبه؛ كمهر زواجه، وإعانته في المسكن، وفي شراء السيارة، بخلاف الذي لم يبلغ سن الزواج ولم يحتج لمسكن مستقل ولا للسيارة

لصغر سنه فإن ذلك تابع للمصروف لا تسوية فيه.

ومما ينبغي التنبه له أن قول بعض الكتاب:

“الإسلام دين المساواة” قول يحتاج إلى تفصيل، فإن كان فيما فَرَّقَ الله فيه بين الرجل والمرأة، كالميراث

واختصاص الرجل برئاسة الدولة والشهادة في غير الأموال وما يختص بالنساء ونحو ذلك فهو قول باطل، وظالم للمرأة والرجل، وكذا التسوية

بين الحر والمملوك، فإن الله قد فَرَّقَ بينهما في عدة أمور، والتسوية بينهما ظلم مخالف لتشريع الحكيم الخبير.

وإنما الذي أمر به من مساواته إذا كان ذميًا أو معاهدًا في الحكم عند القضاء والمعاملة، والوفاء بالعهد والعقد، وتحريم ظلمه في النفس، والعرض والمال.

وكذا بين العلماء والعوام فقد فَضَّلَ الله العالم على العامي في التقدير والمنزلة، وكذا بين الأتقياء والفُسَّاق، فإن المؤمن التقي مقدم على الفاسق في الاحترام،

وقبول الشهادة والنكاح والتقديم في الإمامة في الصلاة إلى غير ذلك مما قدمه الله ورسوله فيه.

وإن أريد بالمساواة في الإسلام: العدل بين الأولاد في العطية ما سوى ما تقدم ذكره من النفقات المشروعة لكل واحد عند احتياجه إليها، وكذا المساوات

بين الأبيض والأسود والعربي والأعجمي، والمرأة والرجل في الحقوق التي أوجب الله المساواة فيها، وأن التفضيل إنما يكون بالتقوى فهذا صحيح.

ويجب العدل في عطية الأولاد بقدر إرثهم للذكر مثل حظ الأنثيين على قسمة الله تعالى، فإنها العدل ولو كان بعضهم أحب إليه من بعض،

والدليل قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ

لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا

أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا}[النساء:11]، وإن كانت الآية في المواريث فهي عامة

في الحياة كذلك، ومن السنة: ما أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير   قال: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ

رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ

مِثْلَ هَذَا؟»، قَالَ: لاَ، قَالَ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ»، قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ([2]).

                                                           وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِه وصَحْبِه وسَلَّم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتبه فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر-رحمه الله-.
([2]) أخرجه البخاري (2587) ومسلم (1623) واللفظ للبخاري.