أقسام العلم وحكم تعلمها

أقسام العلم وحكم تعلمها

     المؤلف: عبد الرحمن بن حماد العمر 

تاريخ الإضافة: 18/9/2019 ميلادي – 19/1/1441 هجري ♦

زيارة: 988 ♦

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأول: فرض العين: وهو ما يلزم كل مُكَلَّفٍ أن يتعلمه ذكرًا أو أنثى، وهو معرفة الله سبحانه وماله من الأسماء الحسنى وصفات الكمال العليا،

ولو على سبيل الإجمال بالنسبة للأسماء والصفات.

ومعرفة رسوله محمد بأنه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، ورسول الله إلى الناس أجمعين،

وأنه بشر، وعبد لله لا يُعْبَدُ، ورسول لا يكذب، بل يُطاع ويُتبع، من أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، وأنه بَلَّغَ الرسالة، وأَدَّى الأمانة.

ومعرفة ما يلزم المسلم من دين الإسلام، وأهمُّ ذلك توحيد الله سبحانه وطاعته، وطاعة رسوله ، ثم الطهارة والصلاة وما يلزم لهما من أحكام،

ثم ما يلزم من أحكام الزكاة بالنسبة لمن تلزمه، والصيام والحج لمن استطاع إليه سبيلًا، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي

عن المنكر الواجبين في حدود معرفته، وما يحل ويحرم من المعاملات المتداولة بين العامة، ويعرف الذنوب كبيرها وصغيرها؛ ليؤدي الواجب ويتجنب

المحرم، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ

إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون}[التوبة:122]، وقال رسول الله : «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَىْ كُلِّ مُسْلِمٍ»(2)،

أي: العلم الواجب على كل مكلف ذكرًا أو أنثى.

لأن المسلم إذا أطلق لفظه يشمل الجنسين، وسورة العصر دليل على ما تقدم.

ومعنى قوله سبحانه: {وَالْعَصْر }[العصر:1]  يقسم سبحانه بالعصر وهو: الدهر، لما فيه من العبر. ولله سبحانه أن يقسم بما شاء من خلقه،

ولا يقسم إلا بما فيه دلالة على قدرته ووحدانيته، ومن ذلك: إقسامه بحياة النبيﷺوعيشه في الدنيا في قوله سبحانه: { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي

سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون}[الحجر:72]، وفي هذا تشريف للرسول . بخلاف الإنسان فليس له أن يقسم إلا بالله وحده أو بصفة من صفاته،

لقوله «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ»(3)، ومن أجاز إقسام الإنسان بـ (العُمُر) فقد أخطأ؛ لأنه حلف بغير الله تعالى.

ومعنى قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر }[العصر:2-3].

 أي: علموا ما يلزمهم علمه، وصدَّقوا تصديقًا جازمًا بما علموه، وأوله معرفة الله تعالى والإيمان به ومحبته وعبادته وحده.

{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: عملوا بعلمهم.

{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} أي: أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.

{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر} أي: وَصَّى بعضهم بعضًا بالصبر على تحصيل العلم، والإيمان بالله تعالى، والصبر على العمل بالعلم، ومنه ما ينالهم من أذى

في سبيل الله والدعوة إليه، ومن ذلك: الصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معاصيه، والصبر على أقدار الله المؤلمة، حتى تحصل للمؤمن الصابر

هداية الله تعالى التي جعلها سبحانه جزاء المجاهدة فيه، فيشرح الله سبحانه صدر عبده المجاهد فيه للإيمان، ويهديه صراطه المستقيم، ويحبب إليه

الإيمان ويزينه في قلبه، ويكَرِّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، ويجعله من الراشدين بفضله ورحمته.

الثاني: فرض الكفاية: وهو ما يلزم لتأهيل صاحبه للقضاء والفتيا والتدريس والإمامة والخطابة، ويتبع ذلك تعلم الحرف والمهن

التي لا غنى للمسلمين عنها، فإذا لم يوجد من يكفي لزم ولي الأمر تكليف من تحصل بهم الكفاية أن يتعلموها.

الثالث: العلم المشروع تعلُّمه نافلة ويعبر عنه بعض الفقهاء بالمسنون: وهو ما زاد عن الواجب مع وجود من تحصل بهم الكفاية، فيشرع للمسلم

أن يجتهد في الازدياد منه؛ لأن الله تعبدنا بمعرفته.

ومن العلم المشروع تعلمه استحبابًا لكنه دون نافلة العلم المتعبد بتعلمه، وإنما للفائدة مثل: معرفة الأول في الخلق هل هو العرش أم القلم؟

ومعرفة المسافات بين الأرض والسماء، وبين كل سماء وسماء، ونحو ذلك من العلوم التي لا يُسأل عنها المكلَّف.

الرابع: المباح: وهو تعلم ما لا يجب ولا يستحب ولا يكره ولا يحرم. مثل: المسليات المباحة، والقصص الدارجة المباحة كالإسرائيليات ونحوها،

مما لا ضرر فيه وليس وسيلة إلى منهي عنه، ولا مخالفة فيه لشريعة الإسلام، أما ما هو وسيلة لتحصيل أمر مشروع فهو مشروع.

الخامس: المكروه: وهو ما يشغل عن المستحبات من أمور الدنيا، أمّا ما يشغل عن الواجب أو يجرُّ إلى محرم فإنه محرم؛ لأن الوسيلة لها حكم الغاية.

السادس: المحرم: وهو مراتب منها: الصغيرة من الذنوب، ومنها: الكبيرة، ومنها: الكفر المخرج من الملة، والعياذ بالله.

فمن الصغائر: تعلم المضحكات المسلية التي لا غيبة فيها ولا استهزاء بمسلم من أقوال وأفعال، لأنها تلهي عن ذكر الله تعالى، ومثل: تعلم أشعار الغزل

والهجاء ما لم تصل إلى درجة الكبائر، وكذا ما يلهي عن المستحبات.

*ومن الكبائر: تعلم الغزل والهجاء المُحَرَّمَين، اللذين فيهما من التشبيب بالنساء ورمي المحصنات ودعوة إلى الفجور، ولما في الهجاء المحرم من شتم

للمعصوم وأذية له وطعن في نسبه أو شرفه، ومنها: تعلم الملهيات المحرمة وصناعتها، كالعود والموسيقى والمعازف المحرمة والتصوير المحرم

كتصوير ذوات الأرواح لغير ضرورة، وتعلم مثالب الناس وعيوبهم لتعييرهم بها.

*ومن التعلم ما هو كفر بالله تعالى، مثل: تَعَلُّم السحر الذي تُسْتَخْدَم فيه الشياطين، ويُكْفَر فيه بالله سبحانه بالقول أو الفعل أو إهانة القرآن، أو الرضا به،

كسِحْر الصرف والعطف وما يُراد به الإضرار، ومثل: اعتقاد ما يعتقده الملحدون ويتعلمونه من شرك في الربوبية، كخواص البروج عندهم،

ونسبة الخلق والتدبير إليها، ومثل: تعلم الأديان والمذاهب المخالفة لدين الإسلام المقترن بإقرارها وإرادة الأخذ منها، لا للرد عليها والحذر منها.

نسأل الله العلم النافع، ونعوذ به من علم لا ينفع.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2) أخرجه ابن ماجه (224)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3913).  
(3) أخرجه أحمد (5375)، وأبو داود (3251)، والترمذي (1535) وقال: “حديث حسن”، وابن حبان (4358)، والحاكم (45) و (7814)
وقال: “صحيح على شرط الشيخين”، ووافقه الذهبي،  وصححه الألباني في صحيح الجامع (6204) وإرواء الغليل (2561).